< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah021
Al-Anbiyaa (21)
The Prophets, makkah, 112 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
بِالِاسْتِقْلالِ فَإذا أوْجَدَهُ أحَدُهُما فَإمّا أنْ يَبْقى الثّانِي قادِرًا عَلَيْهِ وهو مُحالٌ لِأنَّ إيجادَ المَوْجُودِ مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَبْقَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الأوَّلُ قَدْ أزالَ قُدْرَةَ الثّانِي وعَجْزَهُ فَيَكُونُ مَقْهُورًا تَحْتَ تَصَرُّفِهِ فَلا يَكُونُ إلَهًا. فَإنْ قِيلَ الواجِدُ إذا أوْجَدَ مَقْدُورَهُ فَقَدْ زالَتْ قُدْرَتُهُ عَنْهُ فَيَلْزَمُكُمُ العَجْزُ، قُلْنا: الواحِدُ إذا أوْجَدَهُ فَقَدْ نَفَذَتْ قُدْرَتُهُ فَنَفاذُ القُدْرَةِ لا يَكُونُ عَجْزًا، أمّا الشَّرِيكُ فَإنَّهُ لَمّا نَفَذَتْ قُدْرَتُهُ لَمْ يَبْقَ لِشَرِيكِهِ قُدْرَةٌ البَتَّةَ بَلْ زالَتْ قُدْرَتُهُ بِسَبَبِ قُدْرَةِ الأوَّلِ فَيَكُونُ تَعْجِيزًا. الحادِيَ عَشَرَ: أنَّ نُقَرِّرَ هَذِهِ الدَّلالَةَ عَلى وجْهٍ آخَرَ وهو أنْ نُعَيِّنَ جِسْمًا ونَقُولَ هَلْ يَقْدِرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى خَلْقِ الحَرَكَةِ فِيهِ بَدَلًا عَنِ السُّكُونِ وبِالعَكْسِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ كانَ عاجِزًا وإنْ قَدَرَ فَنَسُوقُ الدَّلالَةَ إلى أنْ نَقُولَ: إذا خَلَقَ أحَدُهُما فِيهِ حَرَكَةً امْتَنَعَ عَلى الثّانِي خَلْقُ السُّكُونِ، فالأوَّلُ أزالَ قُدْرَةَ الثّانِي وعَجَّزَهُ فَلا يَكُونُ إلَهًا، وهَذانَ الوَجْهانِ يُفِيدانِ العَجْزَ نَظَرًا إلى قُدْرَتَيْهِما، والدَّلالَةُ الأُولى إنَّما تُفِيدُ العَجْزَ بِالنَّظَرِ إلى إرادَتَيْهِما. وثانِي عَشَرَها: أنَّهُما لَمّا كانا عالِمَيْنِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ كانَ عِلْمُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِ مَعْلُومِ الآخَرِ فَوَجَبَ تَماثُلُ عِلْمَيْهِما، والذّاتُ القابِلَةُ لِأحَدِ المِثْلَيْنِ قابِلَةٌ لِلْمِثْلِ الآخَرِ، فاخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِتِلْكَ الصِّفَةِ مَعَ جَوازِ اتِّصافِهِ بِصِفَةِ الآخَرِ عَلى البَدَلِ يَسْتَدْعِي مُخَصِّصًا يُخَصِّصُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَبْدًا فَقِيرًا ناقِصًا. وثالِثَ عَشَرَها: أنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ ونَقْصٌ في الشّاهِدِ، والفَرْدانِيَّةُ والتَّوَحُّدُ صِفَةُ كَمالٍ، ونَرى المُلُوكَ يَكْرَهُونَ الشَّرِكَةَ في المُلْكِ الحَقِيرِ المُخْتَصَرِ أشَدَّ الكَراهِيَةِ، ونَرى أنَّهُ كُلَّما كانَ المُلْكُ أعْظَمَ كانَتِ النَّفْرَةُ عَنِ الشَّرِكَةِ أشَدَّ، فَما ظَنُّكَ بِمُلْكِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومَلَكُوتِهِ، فَلَوْ أرادَ أحَدُهُما اسْتِخْلاصَ المُلْكِ لِنَفْسِهِ فَإنْ قَدَرَ عَلَيْهِ كانَ المَغْلُوبُ فَقِيرًا عاجِزًا فَلا يَكُونُ إلَهًا، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ كانَ في أشَدِّ الغَمِّ والكَراهِيَةِ فَلا يَكُونُ إلَهًا. ورابِعَ عَشَرَها: أنّا لَوْ قَدَّرْنا إلَهَيْنِ لَكانَ إمّا أنْ يَحْتاجَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى الآخَرِ أوْ يَسْتَغْنِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ أوْ يَحْتاجَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ والآخَرُ يَسْتَغْنِي عَنْهُ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ناقِصًا لِأنَّ المُحْتاجَ ناقِصٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ، والمُسْتَغْنى عَنْهُ ناقِصٌ، ألا تَرى أنَّ البَلَدَ إذا كانَ لَهُ رَئِيسٌ والنّاسُ يُحَصِّلُونَ مَصالِحَ البَلَدِ
صفحة ١٣٣
مِن غَيْرِ رُجُوعٍ مِنهم إلَيْهِ ومِن غَيْرِ التِفاتٍ مِنهم إلَيْهِ عُدَّ ذَلِكَ الرَّئِيسُ ناقِصًا، فالإلَهُ هو الَّذِي يُسْتَغْنى بِهِ ولا يُسْتَغْنى عَنْهُ، وإنِ احْتاجَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ مِن غَيْرِ عَكْسٍ كانَ المُحْتاجُ ناقِصًا والمُحْتاجُ إلَيْهِ هو الإلَهُ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ ظَنِّيَّةٌ إقْناعِيَّةٌ والِاعْتِمادَ عَلى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ، أمّا الدَّلائِلُ السَّمْعِيَّةُ فَمِن وُجُوهٍ:أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾[الحَدِيدِ: ٣] فالأوَّلُ هو الفَرْدُ السّابِقُ، ولِذَلِكَ لَوْ قالَ: أوَّلُ عَبْدٍ اشْتَرَيْتُهُ فَهو حُرٌّ فَلَوِ اشْتَرى أوَّلًا عَبْدَيْنِ لَمْ يَحْنَثْ لِأنَّ شَرْطَ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ فَرْدًا وهَذا لَيْسَ بِفَرْدٍ، فَلَوِ اشْتَرى بَعْدَ ذَلِكَ واحِدًا لَمْ يَحْنَثْ أيْضًا لِأنَّ شَرْطَ الفَرْدِ أنْ يَكُونَ سابِقًا وهَذا لَيْسَ بِسابِقٍ، فَلَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ أوَّلًا وجَبَ أنْ يَكُونَ فَرْدًا سابِقًا فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾[الأنْعامِ: ٥٩] فالنَّصُّ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ أحَدٌ سِواهُ عالِمًا بِالغَيْبِ ولَوْ كانَ لَهُ شَرِيكٌ لَكانَ عالِمًا بِالغَيْبِ وهو خِلافُ النَّصِّ. وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ بِكَلِمَةِ