< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah020
Taa-Haa (20)
Taa-Haa, makkah, 135 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
بَلْ كانَ كالزَّمِنِ بَلْ أسْوَأ حالًا مِنهُ فَإنَّ الزَّمِنَ إذا شاءَ الحَرَكَةَ في رَأْسِهِ وحَدَقَتِهِ أمْكَنَهُ ذَلِكَ وهو غَيْرُ مُمْكِنٍ عَلى مَعْبُودِهِمْ.
ورابِعُها: هو أنَّ مَعْبُودَهم إمّا أنْ يَحْصُلَ في كُلِّ مَكانٍ أوْ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ، فَإنْ حَصَلَ في كُلِّ مَكانٍ لَزِمَهم أنْ يَحْصُلَ في مَكانِ النَّجاساتِ والقاذُوراتِ وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، وإنْ حَصَلَ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ افْتَقَرَ إلى مُخَصِّصٍ يُخَصِّصُهُ بِذَلِكَ المَكانِ فَيَكُونُ مُحْتاجًا وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ.
وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾[الشورى: ١١] يَتَناوَلُ نَفْيَ المُساواةِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ فَإنَّهُ يَحْسُنُ أنْ يُقالَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ إلّا في الجُلُوسِ وإلّا في المِقْدارِ وإلّا في اللَّوْنِ، وصِحَّةُ الِاسْتِثْناءِ تَقْتَضِي دُخُولَ جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ تَحْتَهُ، فَلَوْ كانَ جالِسًا لَحَصَلَ مَن يُماثِلُهُ في الجُلُوسِ فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ مَعْنى الآيَةِ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾[الحاقة: ١٧] فَإذا كانُوا حامِلِينَ لِلْعَرْشِ والعَرْشُ مَكانُ مَعْبُودِهِمْ فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ المَلائِكَةُ حامِلِينَ لِخالِقِهِمْ ومَعْبُودِهِمْ، وذَلِكَ غَيْرُ مَعْقُولٍ؛ لِأنَّ الخالِقَ هو الَّذِي يَحْفَظُ المَخْلُوقَ أمّا المَخْلُوقُ فَلا يَحْفَظُ الخالِقَ ولا يَحْمِلُهُ.
وسابِعُها: أنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَكُونَ المُسْتَقِرُّ في المَكانِ إلَهًا فَكَيْفَ يُعْلَمُ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيْسَ بِإلَهٍ؛ لِأنَّ طَرِيقَنا إلى نَفْيِ إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أنَّهُما مَوْصُوفانِ بِالحَرَكَةِ والسُّكُونِ وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مُحْدَثًا، ولَمْ يَكُنْ إلَهًا فَإذا أبْطَلْتُمْ هَذا الطَّرِيقَ انْسَدَّ عَلَيْكم بابُ القَدْحِ في إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ.
وثامِنُها: أنَّ العالَمَ كُرَةٌ فالجِهَةُ الَّتِي هي فَوْقُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا هي تَحْتُ بِالنِّسْبَةِ إلى ساكِنِي ذَلِكَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ الأرْضِ وبِالعَكْسِ، فَلَوْ كانَ المَعْبُودُ مُخْتَصًّا بِجِهَةٍ فَتِلْكَ الجِهَةُ وإنْ كانَتْ فَوْقًا لِبَعْضِ النّاسِ لَكِنَّها تَحْتٌ لِبَعْضٍ آخَرِينَ، وبِاتِّفاقِ العُقَلاءِ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ المَبْعُودُ تَحْتَ جَمِيعِ الأشْياءِ.
وتاسِعُها: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾[الإخلاص: ١] مِنَ المُحْكَماتِ لا مِنَ المُتَشابِهاتِ فَلَوْ كانَ مُخْتَصًّا بِالمَكانِ لَكانَ الجانِبُ الَّذِي مِنهُ يَلِي ما عَلى يَمِينِهِ غَيْرَ الجانِبِ الَّذِي مِنهُ يَلِي ما عَلى يَسارِهِ؛ فَيَكُونُ مُرَكَّبًا مُنْقَسِمًا فَلا يَكُونُ أحَدًا في الحَقِيقَةِ فَيَبْطُلُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾[الإخْلاصِ: ١] .
وعاشِرُها: أنَّ الخَلِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾[الأنعام: ٧٦] ولَوْ كانَ المَعْبُودُ جِسْمًا لَكانَ آفِلًا أبَدًا غائِبًا أبَدًا فَكانَ يَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾[الأنعام: ٧٦] فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ أنَّ الِاسْتِقْرارَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وعِنْدَ هَذا لِلنّاسِ فِيهِ
صفحة ٧
قَوْلانِ:الأوَّلُ: أنّا لا نَشْتَغِلُ بِالتَّأْوِيلِ بَلْ نَقْطَعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والجِهَةِ ونَتْرُكُ تَأْوِيلَ الآيَةِ ورَوى الشَّيْخُ الغَزالِيُّ عَنْ بَعْضِ أصْحابِ الإمامِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أنَّهُ أوَّلَ ثَلاثَةً مِنَ الأخْبارِ: قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ”«الحَجَرُ الأسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ» “، وقَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ» “ وقَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«إنِّي لَأجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِن قِبَلِ اليَمَنِ» “ واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ إنْ قَطَعَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والجِهَةِ، فَقَدْ قَطَعَ بِأنَّهُ لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنَ الِاسْتِواءِ الجُلُوسَ وهَذا هو التَّأْوِيلُ.
وإنْ لَمْ يَقْطَعْ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ المَكانِ والجِهَةِ بَلْ بَقِيَ شاكًّا فِيهِ فَهو جاهِلٌ بِاللَّهِ تَعالى، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَقُولَ أنا قاطِعٌ بِأنَّهُ لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى ما يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُهُ، بَلْ مُرادُهُ بِهِ شَيْءٌ