< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ

”الجَوابُ“: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ عَمّا يُوهَبُ لَهُ أيُوهَبُ لَهُ وهو وامْرَأتُهُ عَلى هَيْئَتِهِما ؟ أوْ يُوهَبُ بِأنْ يُحَوَّلا شابَّيْنِ يَكُونُ لِمِثْلِهِما ولَدٌ ؟ وهَذا يُحْكى عَنِ الحَسَنِ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ قَوْلَ زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الدُّعاءِ: ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ إنَّما هو عَلى مَعْنى مَسْألَتِهِ ولَدًا مِن غَيْرِها أوْ مِنها بِأنْ يُصْلِحَها اللَّهُ لِلْوَلَدِ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنِّي أيِسْتُ أنْ يَكُونَ لِي مِنها ولَدٌ، فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا كَيْفَ شِئْتَ؛ إمّا بِأنْ تُصْلِحَها فَيَكُونَ الوَلَدُ مِنها أوْ بِأنْ تَهَبَ لِي مِن غَيْرِها، فَلَمّا بُشِّرَ بِالغُلامِ؛ سَألَ: أيُرْزَقُ مِنها أوْ مِن غَيْرِها ؟ فَأُخْبِرَ بِأنَّهُ يُرْزَقُ مِنها، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالمِيراثِ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالمِيراثِ في المَوْضِعَيْنِ هو وِراثَةُ المالِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ.

وثانِيها: أنَّ المُرادَ بِهِ في المَوْضِعَيْنِ وِراثَةُ النُّبُوَّةِ، وهو قَوْلُ أبِي صالِحٍ.

وثالِثُها: يَرِثُنِي المالَ ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ.

ورابِعُها: يَرِثُنِي العِلْمَ ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الرِّواياتِ تَرْجِعُ إلى أحَدِ أُمُورٍ خَمْسَةٍ وهي:

المالُ، ومَنصِبُ الحُبُورَةِ، والعِلْمُ، والنُّبُوَّةُ، والسِّيرَةُ الحَسَنَةُ، ولَفْظُ الإرْثِ مُسْتَعْمَلٌ في كُلِّها، أمّا في المالِ

صفحة ١٥٧

فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهُمْ﴾[الأحْزابِ: ١٢٧] وأمّا في العِلْمِ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾[غافِرٍ: ٥٣] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: («العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ، وإنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينارًا ولا دِرْهَمًا، وإنَّما ورَّثُوا العِلْمَ» ) وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾[النَّمْلِ: ١٥، ١٦ ] وهَذا يَحْتَمِلُ وِراثَةَ المُلْكِ ووِراثَةَ النُّبُوَّةِ وقَدْ يُقالُ أوْرَثَنِي هَذا غَمًّا وحُزْنًا، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِتِلْكَ الوُجُوهِ.

واحْتَجَّ مَن حَمَلَ اللَّفْظَ عَلى وِراثَةِ المالِ بِالخَبَرِ والمَعْقُولِ، أمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «رَحِمَ اللَّهُ زَكَرِيّا ما كانَ لَهُ مَن يَرِثُهُ» وظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ إرْثُ المالِ وأمّا المَعْقُولُ فَمِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ العِلْمَ والسِّيرَةَ والنُّبُوَّةَ لا تُورَثُ بَلْ لا تَحْصُلُ إلّا بِالِاكْتِسابِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى المالِ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الإرْثِ إرْثَ النُّبُوَّةِ؛ لَكانَ قَدْ سَألَ جَعْلَ النَّبِيِّ -ﷺ- رَضِيًّا وهو غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ النَّبِيَّ لا يَكُونُ إلّا رَضِيًّا مَعْصُومًا، وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ» فَهَذا لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ خاصًّا بِهِ واحْتَجَّ مَن حَمَلَهُ عَلى العِلْمِ أوِ المَنصِبِ والنُّبُوَّةِ بِما عَلِمَ مَن حالَ الأنْبِياءِ أنَّ اهْتِمامَهم لا يَشْتَدُّ بِأمْرِ المالِ كَما يَشْتَدُّ بِأمْرِ الدِّينِ، وقِيلَ لَعَلَّهُ أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيا ما كانَ عَظِيمَ النَّفْعِ في الدِّينِ فَلِهَذا كانَ مُهْتَمًّا بِهِ، أمّا قَوْلُهُ: النُّبُوَّةُ كَيْفَ تُورَثُ قُلْنا: المالُ إنَّما يُقالُ ورِثَهُ الِابْنُ بِمَعْنى قامَ فِيهِ مَقامَ أبِيهِ وحَصَلَ لَهُ مِن فائِدَةِ التَّصَرُّفِ فِيهِ ما حَصَلَ لِأبِيهِ وإلّا فَمِلْكُ المالِ مِن قِبَلِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ المُوَرِّثِ فَكَذَلِكَ إذا كانَ المَعْلُومُ في الِابْنِ أنْ يَصِيرَ نَبِيًّا بَعْدَهُ فَيَقُومَ بِأمْرِ الدِّينِ بَعْدَهُ جازَ أنْ يُقالَ ورِثَهُ أمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ» فَهَذا وإنْ جازَ حَمْلُهُ عَلى الواحِدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾[الحِجْرِ: ٩]لَكِنَّهُ مَجازٌ وحَقِيقَتُهُ الجَمْعُ والعُدُولُ عَنِ الحَقِيقَةِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ لا يَجُوزُ