< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah018
Al-Kahf (18)
The Cave, makkah, 110 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
لِغَيْرِهِ، وكَوْنُهُ كامِلًا في ذاتِهِ مُتَقَدِّمٌ بِالطَّبْعِ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ فَثَبَتَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ أنَّ التَّرْتِيبَ الصَّحِيحَ هو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى وهو قَوْلُهُ:﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾﴿قَيِّمًا﴾ فَظَهَرَ أنَّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فاسِدٌ يَمْتَنِعُ العَقْلُ مِنَ الذَّهابِ إلَيْهِ.
البَحْثُ الرّابِعُ: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿قَيِّمًا﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ لا يَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا مِنَ الكِتابِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنْزَلَ﴾ فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ فَجَعْلُهُ حالًا مِنَ الكِتابِ يُوجِبُ الفَصْلَ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ بِبَعْضِ الصِّلَةِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ، قالَ: ولَمّا بَطَلَ هَذا وجَبَ أنْ يَنْتَصِبَ بِمُضْمَرٍ، والتَّقْدِيرُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ وجَعَلَهُ ﴿قَيِّمًا﴾ .
الوَجْهُ الثّانِي: قالَ الأصْفَهانِيُّ: الَّذِي نَرى فِيهِ أنْ يُقالَ قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ حالٌ وقَوْلُهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ حالٌ أُخْرى وهُما حالانِ مُتَوالِيانِ والتَّقْدِيرُ أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ غَيْرَ مَجْعُولٍ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا.
الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ السَّيِّدُ صاحِبُ حَلِّ العَقْدِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ لِأنَّ مَعْنى: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ أنَّهُ جَعَلَهُ مُسْتَقِيمًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ وجَعَلَهُ: ﴿قَيِّمًا﴾ .
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِ قائِمًا بِمَصالِحِ العِبادِ وأحْكامِ الدِّينِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ: ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ ما لِأجْلِهِ أنْزَلَهُ فَقالَ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ وأنْذَرَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ (النَّبَأِ: ٤٠) إلّا أنَّهُ اقْتَصَرَ هَهُنا عَلى أحَدِهِما وأصْلُهُ ﴿لِيُنْذِرَ﴾ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾ كَما قالَ في ضِدِّهِ: ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ والبَأْسُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾[الأعراف: ١٦٥] وقَدْ بَؤُسَ العَذابُ وبَؤُسَ الرَّجُلُ
صفحة ٦٥
بَأْسًا وبَآسَةً، وقَوْلُهُ: ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ أيْ صادِرًا مِن عِنْدِهِ، قالَ الزَّجّاجُ: وفي (لَدُنْ) لُغاتٌ، يُقالُ: لَدُنْ ولَدى ولَدُ، والمَعْنى واحِدٌ، قالَ: وهي لا تَتَمَكَّنُ تَمَكُّنَ (عِنْدَ) لِأنَّكَ تَقُولُ: هَذا القَوْلُ صَوابٌ عِنْدِي، ولا تَقُولُ صَوابٌ لَدُنِّي، وتَقُولُ: عِنْدِي مالٌ عَظِيمٌ والمالُ غائِبٌ عَنْكَ، ولَدُنِّي لِما يَلِيكَ لا غَيْرَ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ بِسُكُونِ الدّالِ مَعَ إشْمامِ الضَّمِّ وكَسْرِ النُّونِ والهاءِ، وهي لُغَةُ بَنِي كِلابٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ إنْذارُ المُذْنِبِينَ وبِشارَةُ المُطِيعِينَ، ولَمّا كانَ دَفْعُ الضَّرَرِ أهَمَّ عِنْدَ (ذَوِي) العُقُولِ مِن إيصالِ النَّفْعِ لا جَرَمَ قُدِّمَ الإنْذارُ عَلى التَّبْشِيرِ في اللَّفْظِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ (ويُبَشِّرَ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ يَعْنِي خالِدِينَ، وهو حالٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم أجْرًا﴾ .قالَ القاضِي: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا في مَسائِلَ:
أحَدُها: أنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِالإنْزالِ والنُّزُولِ، وذَلِكَ مِن صِفاتِ المُحْدَثاتِ، فَإنَّ القَدِيمَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ.
الثّانِي: وصْفُهُ بِكَوْنِهِ كِتابًا والكَتْبُ هو الجَمْعُ، وهو سُمِّيَ كِتابًا لِكَوْنِهِ مَجْمُوعًا مِنَ الحُرُوفِ والكَلِماتِ، وما صَحَّ فِيهِ التَّرْكِيبُ والتَّأْلِيفُ فَهو مُحْدَثٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ الحَمْدَ لِنَفْسِهِ عَلى إنْزالِ الكِتابِ، والحَمْدُ إنَّما يُسْتَحَقُّ عَلى النِّعْمَةِ، والنِّعْمَةُ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُ وصَفَ الكِتابَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُعْوَجٍّ، وبِأنَّهُ مُسْتَقِيمٌ والقَدِيمُ لا يُمْكِنُ وصْفُهُ بِذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّهُ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ.
وثانِيها: مَسْألَةُ خَلْقِ الأعْمالِ فَإنَّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى قَوْلِنا في هَذِهِ المَسْألَةِ