< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah018
Al-Kahf (18)
The Cave, makkah, 110 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
بَعَثْناهم لِيَحْصُلَ هَذا العِلْمُ لِبَعْضِ الخَلْقِ.
والثّانِيَةُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجِبُ ظُهُورُ النَّصْبِ في لَفْظَةِ أيْ، لَكِنْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الإشْكالُ بَعْدُ باقٍ، لِأنَّ ارْتِفاعَ لَفْظَةِ (أيُّ) بِالِابْتِداءِ لا بِإسْنادٍ يُعْلَمُ إلَيْهِ، ولِمُجِيبٍ أنْ يُجِيبَ، فَيَقُولَ: إنَّهُ لا يَمْتَنِعُ اجْتِماعُ عامِلَيْنِ عَلى مَعْمُولٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ العَوامِلَ النَّحْوِيَّةَ عَلاماتٌ ومُعَرِّفاتٌ، ولا يَمْتَنِعُ اجْتِماعُ المُعَرِّفاتِ الكَثِيرَةِ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في الحِزْبَيْنِ فَقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما: المُرادُ بِالحِزْبَيْنِ المُلُوكُ الَّذِينَ تَداوَلُوا المَدِينَةَ مَلِكًا بَعْدَ مَلِكٍ، فالمُلُوكَ حِزْبٌ وأصْحابُ الكَهْفِ حِزْبٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: الحِزْبانِ مِن هَذِهِ الفِتْيَةِ؛ لِأنَّ أصْحابَ الكَهْفِ لَمّا انْتَبَهُوا اخْتَلَفُوا في أنَّهم كَمْ نامُوا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ (الكَهْفِ: ١٩) فالحِزْبانِ هُما هَذانِ، وكانَ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ هُمُ الَّذِينَ عَلِمُوا أنَّ لُبْثَهم قَدْ تَطاوَلَ.
القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّ طائِفَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ في زَمانِ أصْحابِ الكَهْفِ اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ قَوْلُهُ: أحْصى لَيْسَ مِن بابِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ؛ لِأنَّ هَذا البِناءَ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ لَيْسَ بِقِياسٍ، فَأمّا قَوْلُهم: ما أعْطاهُ لِلدِّرْهَمِ، وما أوْلاهُ لِلْمَعْرُوفِ، وأعْدى مِنَ الجَرَبِ، وأفْلَسُ مِنَ ابْنِ المُدْلِقِ، فَمِنَ الشَّواذِّ والشّاذُّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، بَلِ الصَّوابُ: أنَّ ”أحْصى“ فِعْلٌ ماضٍ وهو خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والمُبْتَدَأُ
صفحة ٧٢
والخَبَرُ مَفْعُولُ نَعْلَمُ، و”أمَدًا“ مَفْعُولٌ بِهِ لَأحْصى، و”ما“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِما لَبِثُوا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ أحْصى أمَدًا لِلُبْثِهِمْ، وحاصِلُ الكَلامِ: لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى أمَدَ ذَلِكَ اللُّبْثِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ﴾ (المُجادَلَةِ: ٦) وقَوْلُهُ: ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (الجِنِّ: ٢٨) .* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا الصُّوفِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالكَراماتِ، وهو اسْتِدْلالٌ ظاهِرٌ، ونَذْكُرُ هَذِهِ المَسْألَةَ هَهُنا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، فَنَقُولُ قَبْلَ الخَوْضِ في الدَّلِيلِ عَلى جَوازِ الكَراماتِ: نَفْتَقِرُ إلى تَقْدِيمِ مُقَدِّمَتَيْنِ:المُقَدِّمَةُ الأُولى: في بَيانِ أنَّ الوَلِيَّ ما هو فَنَقُولُ: هَهُنا وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ فَعِيلًا مُبالَغَةً مِنَ الفاعِلِ كالعَلِيمِ والقَدِيرِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ مِن تَوالَتْ طاعاتُهُ مِن غَيْرِ تَخَلُّلِ مَعْصِيَةٍ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ بِمَعْنى مَقْتُولٍ ومَجْرُوحٍ، وهو الَّذِي يَتَوَلّى الحَقُّ سُبْحانَهُ حِفْظَهُ وحِراسَتَهُ عَلى التَّوالِي عَنْ كُلِّ أنْواعِ المَعاصِي ويُدِيمُ تَوْفِيقَهُ عَلى الطّاعاتِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْمَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ: تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البَقَرَةِ: ٢٥٧) وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ (الأعْرافِ: ١٩٦) وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٨٦) وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ (مُحَمَّدٍ: ١١) وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ (المائِدَةِ: ٥٥) وأقُولُ: الوَلِيُّ هو القَرِيبُ في اللُّغَةِ، فَإذا كانَ العَبْدُ قَرِيبًا مِن حَضْرَةِ اللَّهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ طاعاتِهِ وكَثْرَةِ إخْلاصِهِ، وكانَ الرَّبُّ قَرِيبًا مِنهُ بِرَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، فَهُناكَ حَصَلَتِ الوِلايَةُ.
المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: إذا ظَهَرَ فِعْلٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ عَلى الإنْسانِ، فَذاكَ إمّا أنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالدَّعْوى أوْ لا مَعَ الدَّعْوى، والقِسْمُ الأوَّلُ وهو أنْ يَكُونَ مَعَ الدَّعْوى فَتِلْكَ الدَّعْوى إمّا أنْ تَكُونَ دَعْوى الإلَهِيَّةِ أوْ دَعْوى النُّبُوَّةِ أوْ دَعْوى الوِلايَةِ أوْ دَعْوى السِّحْرِ وطاعَةِ الشَّياطِينِ، فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أقْسامٍ:
القِسْمُ الأوَّلُ: ادَّعاءُ الإلَهِيَّةِ، وجَوَّزَ أصْحابُنا ظُهُورَ خَوارِقِ العاداتِ عَلى يَدِهِ مِن غَيْرِ مُعارَضَةٍ كَما نُقِلَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ، وكانَتْ تَظْهَرُ خَوارِقُ