< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah017
Al-Israa (17)
The Night Journey, makkah, 111 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
حَدِيثَ المِعْراجِ اشْتَمَلَ عَلى أشْياءَ بَعِيدَةٍ، مِنها ما رُوِيَ مِن شَقِّ بَطْنِهِ وتَطْهِيرِهِ بِماءِ زَمْزَمَ وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الَّذِي يُمْكِنُ غَسْلُهُ بِالماءِ هو النَّجاساتِ العَيْنِيَّةِ ولا تَأْثِيرَ لِذَلِكَ في تَطْهِيرِ القَلْبِ عَنِ العَقائِدِ الباطِلَةِ والأخْلاقِ المَذْمُومَةِ، ومِنها ما رُوِيَ مِن رُكُوبِ البُراقِ وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا سَيَّرَهُ مِن هَذا العالَمِ إلى عالَمِ الأفْلاكِ، فَأيُّ حاجَةٍ إلى البُراقِ، ومِنها ما رُوِيَ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ خَمْسِينَ صَلاةً، ثُمَّ إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ مُوسى إلى أنْ عادَ الخَمْسُونَ إلى خَمْسٍ بِسَبَبِ شَفَقَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. قالَ القاضِي: وهَذا يَقْتَضِي نَسْخَ الحكم قَبْلَ حُضُورِهِ، وأنَّهُ يُوجِبُ البَداءَ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ الحَدِيثَ مُشْتَمِلٌ عَلى ما يَجُوزُ قَبُولُهُ فَكانَ مَرْدُودًا.
والجَوابُ عَنِ الوُجُوهِ العَقْلِيَّةِ قَدْ سَبَقَ فَلا نُعِيدُها.
والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الثّانِيَةِ: ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى وهو قَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ . وهَذا كَلامٌ مُجْمَلٌ وفي تَفْصِيلِهِ وشَرْحِهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ خَيْراتِ الجَنَّةِ عَظِيمَةٌ، وأهْوالَ النّارِ شَدِيدَةٌ، فَلَوْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما شاهَدَهُما في الدُّنْيا، ثُمَّ شاهَدَهُما في ابْتِداءِ يَوْمِ القِيامَةِ فَرُبَّما رَغَبَ في خَيْراتِ الجَنَّةِ أوْ خافَ مِن أهْوالِ
صفحة ١٢٢
النّارِ، أمّا لَمّا شاهَدَهُما في الدُّنْيا في لَيْلَةِ المِعْراجِ فَحِينَئِذٍ لا يَعْظُمُ وقْعُهُما في قَلْبِهِ يَوْمَ القِيامَّةِ فَلا يَبْقى مَشْغُولَ القَلْبِ بِهِما، وحِينَئِذٍ يَتَفَرَّغُ لِلشَّفاعَةِ.الثّانِي: لا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ مُشاهَدَتُهُ لَيْلَةَ المِعْراجِ لِلْأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ - صارَتْ سَبَبًا لِتَكامُلِ مَصْلَحَتِهِ أوْ مَصْلَحَتِهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنَّهُ إذا صَعَدَ الفَلَكَ وشاهَدَ أحْوالَ السَّماواتِ والكُرْسِيَّ والعَرْشَ، صارَتْ مُشاهَدَةُ أحْوالِ هَذا العالَمِ وأهْوالِهِ حَقِيرَةً في عَيْنِهِ، فَتَحْصُلُ لَهُ زِيادَةُ قُوَّةٍ في القَلْبِ بِاعْتِبارِها يَكُونُ في شُرُوعِهِ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى أكْمَلَ، وقِلَّةُ التِفاتِهِ إلى أعْداءِ اللَّهِ تَعالى أقْوى. يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّ مَن عايَنَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى في هَذا البابِ - لا يَكُونُ حالُهُ في قُوَّةِ النَّفْسِ وثَباتِ القَلْبِ عَلى احْتِمالِ المَكارِهِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ إلّا أضْعافَ ما يَكُونُ عَلَيْهِ حالُ مَن لَمْ يُعايِنْ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ الإسْراءِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ وعائِدَةٌ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّعْيِينِ.
والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الثّالِثَةِ: أنّا عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى تَفْسِيرِ تِلْكَ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ نُبَيِّنُ أنَّ تِلْكَ الرُّؤْيا رُؤْيا عَيانٍ لا رُؤْيا مَنامٍ.
والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الرّابِعَةِ: لا اعْتِراضَ عَلى اللَّهِ تَعالى في أفْعالِهِ فَهو يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الرّابِعَةُ: أمّا العُرُوجُ إلى السَّماواتِ وإلى ما فَوْقَ العَرْشِ، فَهَذِهِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ، ومِنهم مَنِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأوَّلِ سُورَةِ ”والنَّجْمِ“، ومِنهم مَنِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الِانْشِقاقِ: ١٩] . وتَفْسِيرُهُما مَذْكُورٌ في مَوْضِعِهِ، وأمّا دَلالَةُ الحَدِيثِ فَكَما سَلَفَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا﴾﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وفِيها انْتَقَلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ومِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ ألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى الحُضُورِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّه هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يَدُلُّ عَلى الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾إلَخْ يَدُلُّ عَلى الحُضُورِ؛ وانْتِقالُ الكَلامِ مِنَ