< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


في جِسْمِ البَدَنِ الإنْسانِيِّ، فَذاكَ مَقامٌ آخَرُ سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

الوجه الخامِسُ: أنَّهُ جاءَ في القُرْآنِ أنَّ الرِّياحَ كانَتْ تَسِيرُ بِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى المَواضِعِ البَعِيدَةِ في الأوْقاتِ القَلِيلَةِ، قالَ تَعالى في صِفَةِ مَسِيرِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾[ سَبَأٍ: ١٢] . بَلْ نَقُولُ: الحِسُّ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّياحَ تَنْتَقِلُ عِنْدَ شِدَّةِ هُبُوبِها مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ في غايَةِ البُعْدِ في اللَّحْظَةِ الواحِدَةِ، وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ في نَفْسِها مُمْكِنَةٌ.

الوجه السّادِسُ: أنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أحْضَرَ عَرْشَ بِلْقِيسَ مِن أقْصى اليَمَنِ إلى أقْصى الشّامِ في مِقْدارِ لَمْحِ البَصَرِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾[النَّمْلِ: ٤٠] . وإذا كانَ مُمْكِنًا في حَقِ بَعْضِ النّاسِ، عَلِمْنا أنَّهُ في نَفْسِهِ مُمْكِنُ الوُجُودِ.

الوجه السّابِعُ: أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: الحَيَوانُ إنَّما يُبْصِرُ المُبْصَراتِ لِأجْلِ أنَّ الشُّعاعَ يَخْرُجُ مِن عَيْنَيْهِ ويَتَّصِلُ بِالمُبْصَرِ، ثُمَّ إنّا إذا فَتَحْنا العَيْنَ ونَظَرْنا إلى رَجُلٍ رَأيْناهُ، فَعَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ انْتَقَلَ شُعاعُ العَيْنِ مِن أبْصارِنا إلى رَجُلٍ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ اللَّطِيفَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَرَكَةَ الواقِعَةَ عَلى هَذا الحَدِّ مِنَ السُّرْعَةِ مِنَ المُمْكِناتِ لا مِنَ المُمْتَنِعاتِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ حُصُولَ الحَرَكَةِ المُنْتَهِيَةِ في السُّرْعَةِ إلى هَذا الحَدِّ أمْرٌ مُمْكِنُ الوُجُودِ في نَفْسِهِ.

صفحة ١٢٠

المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: في بَيانِ أنَّ هَذِهِ الحَرَكَةَ لَمّا كانَتْ مُمْكِنَةَ الوُجُودِ في نَفْسِها وجَبَ أنْ لا يَكُونَ حُصُولُها في جَسَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ مُمْتَنِعًا، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنّا بَيَّنّا بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ ماهِيّاتِها، فَلَمّا صَحَّ حُصُولُ مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكَةِ في حَقِّ بَعْضِ الأجْسامِ وجَبَ إمْكانُ حُصُولِها في سائِرِ الأجْسامِ، وذَلِكَ يُوجِبُ القَطْعَ بِأنَّ حُصُولَ مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكَةِ في جَسَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ أمْرٌ مُمْكِنُ الوُجُودِ في نَفْسِهِ.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ خالِقَ العالَمِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وثَبَتَ أنَّ حُصُولَ الحَرَكَةِ البالِغَةِ في السُّرْعَةِ إلى هَذا الحَدِّ في جَسَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ مُمْكِنٌ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِن مَجْمُوعِ هَذِهِ المُقَدِّماتِ أنَّ القَوْلَ بِثُبُوتِ هَذا المِعْراجِ أمْرٌ مُمْكِنُ الوُجُودِ في نَفْسِهِ.

أقْصى ما في البابِ أنَّهُ يَبْقى التَّعَجُّبُ، إلّا أنَّ هَذا التَّعَجُّبَ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِهَذا المَقامِ، بَلْ هو حاصِلٌ في جَمِيعِ المُعْجِزاتِ، فانْقِلابُ العَصا ثُعْبانًا تَبْلَعُ سَبْعِينَ ألْفَ حَبْلٍ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، ثُمَّ تَعُودُ في الحالِ عَصًا صَغِيرَةً كَما كانَتْ - أمْرٌ عَجِيبٌ ! وخُرُوجُ النّاقَةِ العَظِيمَةِ مِنَ الجَبَلِ الأصَمِّ، وإظْلالُ الجَبَلِ العَظِيمِ في الهَواءِ عَجِيبٌ، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ المُعْجِزاتِ، فَإنْ كانَ مُجَرَّدُ التَّعَجُّبِ يُوجِبُ الإنْكارَ والدَّفْعَ، لَزِمَ الجَزْمُ بِفَسادِ القَوْلِ بِإثْباتِ المُعْجِزاتِ، وإثْباتُ المُعْجِزاتِ فَرْعٌ عَلى تَسْلِيمِ أصْلِ النُّبُوَّةِ، وإنْ كانَ مُجَرَّدُ التَّعَجُّبِ لا يُوجِبُ الإنْكارَ والإبْطالَ، فَكَذا هَهُنا، فَهَذا تَمامُ القَوْلِ في بَيانِ أنَّ القَوْلَ بِالمِعْراجِ مُمْكِنٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَقامُ الثّانِي: في البحث عَنْ وُقُوعِ المِعْراجِ. قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أسْرى بِرُوحِ مُحَمَّدٍ ﷺ وجَسَدِهِ مِن مَكَّةَ إلى المَسْجِدِ الأقْصى - القُرْآنُ والخَبَرُ، أمّا القُرْآنُ فَهو هَذِهِ الآيَةُ، وتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ أنَّ العَبْدَ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الجَسَدِ والرُّوحِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإسْراءُ حاصِلًا لِمَجْمُوعِ الجَسَدِ والرُّوحِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدَلالَ مَوْقُوفٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ هو