< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


﴿رَوْحِ اللَّهِ﴾[يُوسُفَ: ٨٧] وإنَّما حَسُنَ هَذا الإطْلاقُ؛ لِأنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِ وُجُودِهِما حَياةُ القَلْبِ وهي الهِدايَةُ والمَعارِفُ، فَلَمّا حَسُنَ إطْلاقُ اسْمِ الرُّوحِ عَلَيْهِما لِهَذا المَعْنى؛ فَلَأنْ يَحْسُنَ إطْلاقُ لَفْظِ الرُّوحِ عَلى الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ كانَ ذَلِكَ أوْلى.

والقَوْلُ الثّانِي في هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ: إنَّ الرُّوحَ هَهُنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِالرُّوحِ﴾ بِمَعْنى مَعَ كَقَوْلِهِمْ خَرَجَ فُلانٌ بِثِيابِهِ، أيْ: مَعَ ثِيابِهِ ورَكِبَ الأمِيرُ بِسِلاحِهِ أيْ: مَعَ سِلاحِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ مَعَ الرُّوحِ وهو جِبْرِيلُ، والأوَّلُ أقْرَبُ، وتَقْرِيرُ هَذا الوجه: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ما أنْزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ جِبْرِيلَ وحْدَهُ، بَلْ في أكْثَرِ الأحْوالِ كانَ يُنَزِّلُ مَعَ جِبْرِيلَ أفْواجًا مِنَ المَلائِكَةِ، ألا تَرى أنَّ في يَوْمِ بَدْرٍ وفي كَثِيرٍ مِنَ الغَزَواتِ كانَ يَنْزِلُ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقْوامٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وكانَ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تارَةً مَلَكُ الجِبالِ، وتارَةً مَلَكُ البِحارِ، وتارَةً رِضْوانُ، وتارَةً غَيْرُهم، وقَوْلُهُ: ﴿مِن أمْرِهِ﴾ يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ التَّنْزِيلَ والنُّزُولَ لا يَكُونُ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾[مَرْيَمَ: ٦٤] وقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾[الأنْبِياءِ: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾[الأنْبِياءِ: ٢٨]

صفحة ١٧٦

وقَوْلُهُ: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾[النَّحْلِ: ٥٠] وقَوْلُهُ: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] فَكُلُّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّهم لا يُقْدِمُونَ عَلى عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وإذْنِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾[ غافِرٍ: ١٥] يُرِيدُ الأنْبِياءَ الَّذِينَ خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرِسالَتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: (أنْ) بَدَلٌ مِنَ الرُّوحِ والمَعْنى: يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِأنْ أنْذِرُوا، أيْ: أعْلِمُوا الخَلائِقَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا، والإنْذارُ هو الإعْلامُ مَعَ التَّخْوِيفِ.

* * *

المسألة الثّانِيَةُ: في الآيَةِ فَوائِدُ:

الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ وُصُولَ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى الأنْبِياءِ لا يَكُونُ إلّا بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، ومِمّا يُقَوِّي ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾[البَقَرَةِ: ٢٨٥] فَبَدَأ بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَتَلَقَّوْنَ الوَحْيَ مِنَ اللَّهِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، وذَلِكَ الوَحْيُ هو الكُتُبُ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ يُوَصِّلُونَ ذَلِكَ الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ فَلا جَرَمَ كانَ التَّرْتِيبُ الصَّحِيحُ هو الِابْتِداءُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بِذِكْرِ المَلائِكَةِ، ثُمَّ بِذِكْرِ الكُتُبِ وفي الدَّرَجَةِ الرّابِعَةِ بِذِكْرِ الرُّسُلِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى المَلَكِ فَعِلْمُ ذَلِكَ المَلَكِ بِأنَّ ذَلِكَ الوَحْيَ وحْيُ اللَّهِ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ أوِ اسْتِدْلالِيٌّ. وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ اسْتِدْلالِيًّا فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إلَيْهِ ؟ وأيْضًا المَلَكُ إذا بَلَّغَ ذَلِكَ الوَحْيَ إلى الرَّسُولِ فَعِلْمُ الرَّسُولِ بِكَوْنِهِ مَلَكًا صادِقًا لا شَيْطانًا رَجِيمًا ضَرُورِيٌّ أوِ اسْتِدْلالِيٌّ، فَإنْ كانَ اسْتِدْلالِيًّا فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إلَيْهِ ؟ فَهَذِهِ مَقاماتٌ ضَيِّقَةٌ، وتَمامُ العِلْمِ بِها لا يَحْصُلُ إلّا بِالبحث عَنْ حَقِيقَةِ المَلَكِ وكَيْفِيَّةِ وحْيِ اللَّهِ إلَيْهِ، وكَيْفِيَّةِ تَبْلِيغِ المَلَكِ ذَلِكَ الوَحْيَ إلى الرَّسُولِ. فَأمّا إذا أجْرَيْنا هَذِهِ الأُمُورَ عَلى الكَلِماتِ المَأْلُوفَةِ صَعُبَ المَرامُ وزالَ النِّظامُ، وذَلِكَ لِأنَّ آياتِ القُرْآنِ ناطِقَةٌ بِأنَّ هَذا الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ إنَّما حَصَلَ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ نَقُولُ: هَبْ أنَّ آياتِ القُرْآنِ لَمْ تَدُلَّ عَلى ذَلِكَ إلّا أنَّ احْتِمالَ كَوْنِ الأمْرِ كَذَلِكَ قائِمٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ.

وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لا نَعْلَمُ كَوْنَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِقًا مَعْصُومًا عَنِ الكَذِبِ والتَّلْبِيسِ إلّا بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، وصِحَّةُ