< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


سَنَةً فَكَذَلِكَ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى الأعْداءِ، فَإذا تَأخَّرَ ذَلِكَ المَوْعُودُ مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كاذِبًا فِيهِ، فَذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ نافِعٌ مِن هَذا الوَجْهِ.

الرّابِعُ: أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ بالَغُوا في إبْطالِ أمْرِهِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَهُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ كانَ الأمْرُ كَما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لا كَما سَعى فِيهِ الأعْداءُ، فَكَذَلِكَ واقِعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا ضَمِنَ لَهُ إعْلاءَ الدَّرَجَةِ لَمْ يَضُرَّهُ سَعْيُ الكُفّارِ في إبْطالِ أمْرِهِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ فِيها آياتٌ كَثِيرَةٌ لِمَن سَألَ عَنْها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿لَيُوسُفُ﴾ اللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، وفِيها تَأْكِيدٌ وتَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ. أرادُوا أنَّ زِيادَةَ مَحَبَّتِهِ لَهُما أمْرٌ ثابِتٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. وأخُوهُ هو بِنْيامِينُ، وإنَّما قالُوا أخُوهُ وهم جَمِيعًا إخْوَةٌ؛ لِأنَّ أُمَّهُما كانَتْ واحِدَةً. والعُصْبَةُ والعِصابَةُ العَشَرَةُ فَصاعِدًا، وقِيلَ إلى الأرْبَعِينَ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم جَماعَةٌ تُعْصَبُ بِهِمُ الأُمُورُ، ونُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قَرَأ ”ونَحْنُ عُصْبَةً“ بِالنَّصْبِ، قِيلَ: مَعْناهُ ونَحْنُ نَجْتَمِعُ عُصْبَةً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنهُ بَيانُ السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ قَصَدُوا إيذاءَ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّ يَعْقُوبَ كانَ يُفَضِّلُ

صفحة ٧٥

يُوسُفَ وأخاهُ عَلى سائِرِ الأوْلادِ في الحُبِّ وأنَّهم تَأذَّوْا مِنهُ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا أكْبَرَ سِنًّا مِنهُما.

وثانِيها: أنَّهم كانُوا أكْثَرَ قُوَّةً وأكْثَرَ قِيامًا بِمَصالِحِ الأبِ مِنهُما.

وثالِثُها: أنَّهم قالُوا إنّا نَحْنُ القائِمُونَ بِدَفْعِ المَفاسِدِ والآفاتِ، والمُشْتَغِلُونَ بِتَحْصِيلِ المَنافِعِ والخَيْراتِ.

إذا ثَبَتَ ما ذَكَرْناهُ مِن كَوْنِهِمْ مُتَقَدِّمِينَ عَلى يُوسُفَ وأخِيهِ في هَذِهِ الفَضائِلِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُفَضِّلُ يُوسُفَ وأخاهُ عَلَيْهِمْ، لا جَرَمَ قالُوا: ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يَعْنِي هَذا حَيْفٌ ظاهِرٌ وضَلالٌ بَيِّنٌ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّ مِنَ الأُمُورِ المَعْلُومَةِ أنَّ تَفْضِيلَ بَعْضِ الأوْلادِ عَلى بَعْضٍ يُورِثُ الحِقْدَ والحَسَدَ، ويُورِثُ الآفاتِ، فَلَمّا كانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمًا بِذَلِكَ فَلِمَ أقْدَمَ عَلى هَذا التَّفْضِيلِ ؟ وأيْضًا الأسَنُّ والأعْلَمُ والأنْفَعُ أفْضَلُ، فَلِمَ قَلَبَ هَذِهِ القَضِيَّةَ ؟

والجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما فَضَّلَهُما عَلى سائِرِ الأوْلادِ إلّا في المَحَبَّةِ، والمَحَبَّةُ لَيْسَتْ في وُسْعِ البَشَرِ فَكانَ مَعْذُورًا فِيهِ ولا يَلْحَقُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ لَوْمٌ.

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِكَوْنِهِ رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ اعْتَرَضُوا عَلَيْهِ، وكَيْفَ زَيَّفُوا طَرِيقَتَهُ وطَعَنُوا في فِعْلِهِ ؟ وإنْ كانُوا مُكَذِّبِينَ لِنُبُوَّتِهِ، فَهَذا يُوجِبُ كُفْرَهم.

والجَوابُ: أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِنُبُوَّةِ أبِيهِمْ مُقِرِّينَ بِكَوْنِهِ رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّهم لَعَلَّهم جَوَّزُوا مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَفْعَلُوا أفْعالًا مَخْصُوصَةً بِمُجَرَّدِ الِاجْتِهادِ، ثُمَّ إنَّ اجْتِهادَهم أدّى إلى تَخْطِئَةِ أبِيهِمْ في ذَلِكَ الِاجْتِهادِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ هُما صَبِيّانِ ما بَلَغا العَقْلَ الكامِلَ ونَحْنُ مُتَقَدِّمُونَ عَلَيْهِما في السِّنِّ والعَقْلِ والكِفايَةِ والمَنفَعَةِ وكَثْرَةِ الخِدْمَةِ والقِيامِ بِالمُهِمّاتِ، وإصْرارُهُ عَلى تَقْدِيمِ يُوسُفَ عَلَيْنا يُخالِفُ هَذا الدَّلِيلَ. وأمّا يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَعَلَّهُ كانَ يَقُولُ: زِيادَةُ المَحَبَّةِ لَيْسَتْ في الوُسْعِ والطّاقَةِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ عَلَيَّ فِيهِ تَكْلِيفٌ. وأمّا تَخْصِيصُهُما بِمَزِيدِ البِرِّ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ أُمَّهُما ماتَتْ وهُما صِغارٌ.

وثانِيها: لِأنَّهُ كانَ يَرى فِيهِ مِن آثارِ الرُّشْدِ والنَّجابَةِ ما لَمْ يَجِدْ