< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah012
Yusuf (12)
Joseph, makkah, 111 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ»﴾[ الحَدِيدِ: ١٦] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القَصَصُ إتْباعُ الخَبَرِ بَعْضُهُ بَعْضًا وأصْلُهُ في اللُّغَةِ المُتابَعَةُ، قالَ تَعالى: ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾[القصص: ١١] أيِ اتَّبِعِي أثَرَهُ، وقالَ تَعالى: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾[الكهف: ٦٤] أيِ اتِّباعًا، وإنَّما سُمِّيَتِ الحِكايَةُ قَصَصًا لِأنَّ الَّذِي يَقُصُّ الحَدِيثَ يَذْكُرُ تِلْكَ القِصَّةَ شَيْئًا فَشَيْئًا، كَما يُقالُ تَلا القُرْآنَ إذا قَرَأهُ لِأنَّهُ يَتْلُو أيْ يَتْبَعُ ما حَفِظَ مِنهُ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، والقَصَصُ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الِاقْتِصاصِ، يُقالُ قَصَّ الحَدِيثَ يَقُصُّهُ قَصًّا وقَصَصًا إذا طَرَدَهُ وساقَهُ، كَما يُقالُ أرْسَلَهُ يُرْسِلُهُ إرْسالًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَسْمِيَةِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ كَقَوْلِكَ: هَذا قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى أيْ مَقْدُورُهُ، وهَذا الكِتابُ عِلْمُ فُلانٍ أيْ مَعْلُومُهُ، وهَذا رَجاؤُنا أيْ مَرْجُوُّنا، فَإنْ حَمَلْناهُ عَلى المَصْدَرِ كانَ المَعْنى نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ الِاقْتِصاصِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالحُسْنُ يَعُودُ إلى حُسْنِ البَيانِ لا إلى القِصَّةِ، والمُرادُ مِن هَذا الحُسْنِ كَوْنُ هَذِهِ الألْفاظُ فَصِيحَةً بالِغَةً في الفَصاحَةِ إلى حَدِّ الإعْجازِ، ألا تَرى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ التَّوارِيخِ مَعَ أنَّ شَيْئًا مِنها لا يُشابِهُ هَذِهِ السُّورَةَ في الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى المَفْعُولِ كانَ مَعْنى كَوْنِهِ أحْسَنَ القَصَصِ لِما فِيهِ مِنَ العِبَرِ والنُّكَتِ والحِكَمِ والعَجائِبِ الَّتِي لَيْسَتْ في غَيْرِها، فَإنَّ إحْدى الفَوائِدِ الَّتِي في هَذِهِ القِصَّةِ أنَّهُ لا دافِعَ لِقَضاءِ
صفحة ٦٩
اللَّهِ تَعالى ولا مانِعَ مِن قَدَرِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ تَعالى إذا قَضى لِلْإنْسانِ بِخَيْرٍ ومَكْرُمَةٍ فَلَوْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى دَفْعِهِ.والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: دَلالَتُها عَلى أنَّ الحَسَدَ سَبَبٌ لِلْخِذْلانِ والنُّقْصانِ.
والفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الصَّبْرَ مِفْتاحُ الفَرَجِ كَما في حَقِّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ لَمّا صَبَرَ فازَ بِمَقْصُودِهِ، وكَذَلِكَ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ﴾ فالمَعْنى بِوَحْيِنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ، وهَذا التَّقْدِيرُ إنْ جَعَلْنا ”ما“ مَعَ الفِعْلِ بِمَنزِلَةِ المَصْدَرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ﴾ يُرِيدُ مِن قَبْلِ أنْ نُوحِيَ إلَيْكَ ﴿لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما عَلِمَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ، ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ أنَّهُ كانَ مِنَ الغافِلِينَ عَنِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ قَبْلَ ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾[ الشُّورى: ٥٢] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لِأبِيهِ ياأبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَقْدِيرُ الآيَةِ: اذْكُرْ ﴿إذْ قالَ يُوسُفُ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الصَّحِيحُ أنَّهُ اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ عَرَبِيًّا لانْصَرَفَ لِخُلُوِّهِ عَنْ سَبَبٍ آخَرَ سِوى التَّعْرِيفِ، وقَرَأ بَعْضُهم ”يُوسِفَ“ بِكَسْرِ السِّينِ ”ويُوسَفَ“ بِفَتْحِها. وأيْضًا رُوِيَ في يُونُسَ هَذِهِ اللُّغاتُ الثَّلاثُ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«إذا قِيلَ: مَنِ الكَرِيمُ ؟ فَقُولُوا: الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ» “ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”يا أبَتَ“ بِفَتْحِ التّاءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، والباقُونَ بِكَسْرِ التّاءِ. أمّا الفَتْحُ فَوَجْهُهُ أنَّهُ كانَ في الأصْلِ ”يا أبَتاهُ“ عَلى سَبِيلِ النُّدْبَةِ، فَحُذِفَتِ الألِفُ والهاءُ. وأمّا الكَسْرُ فَأصْلُهُ يا أبِي، فَحُذِفَتِ الياءُ واكْتُفِيَ بِالكَسْرَةِ عَنْها ثُمَّ أُدْخِلَ هاءُ الوَقْفِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ﴾ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صارَ كَأنَّهُ مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ فَأدْخَلُوا عَلَيْهِ الإضافَةَ، وهَذا قَوْلُ ثَعْلَبٍ وابْنِ الأنْبارِيِّ.
واعْلَمْ أنَّ النَّحْوِيِّينَ طَوَّلُوا في هَذِهِ المَسْألَةِ، ومَن