< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


لَها خاصِّيَّةٌ وهي أنَّها لِصِغَرِها في الصُّورَةِ تَبْقى مَحْفُوظَةً في القُلُوبِ مَعْلُومَةً لِلْعُقُولِ فَيَكُونُ ذِكْرُ جَلالِ اللَّهِ حاضِرًا أبَدًا بِهَذا السَّبَبِ، فَلا جَرَمَ امْتازَتْ عَنْ سائِرِ السُّوَرِ بِهَذِهِ الفَضائِلِ ولْيُرْجَعِ الآنَ إلى التَّفْسِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى جَنَّةٌ حاضِرَةٌ إذِ الجَنَّةُ أنْ تَنالَ ما يُوافِقُ عَقْلَكَ وشَهْوَتَكَ، ولِذَلِكَ لَمْ تَكُنِ الجَنَّةُ جَنَّةً لِآدَمَ لَمّا نازَعَ عَقْلَهُ هَواهُ، ولا كانَ القَبْرُ سِجْنًا عَلى المُؤْمِنِ لِأنَّهُ حَصَلَ لَهُ هُناكَ ما يُلائِمُ عَقْلَهُ وهَواهُ، ثُمَّ إنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى مِمّا يُرِيدُها الهَوى والعَقْلُ، فَصارَتْ جَنَّةً مُطْلَقَةً، وبَيانُ ما قُلْنا: أنَّ العَقْلَ يُرِيدُ أمِينًا تُودَعُ عِنْدَهُ الحَسَناتُ، والشَّهْوَةُ تُرِيدُ غَنِيًّا يُطْلَبُ مِنهُ المُسْتَلَذّاتُ، بَلِ العَقْلُ كالإنْسانِ الَّذِي لَهُ هِمَّةٌ عالِيَةٌ فَلا يَنْقادُ إلّا لِمَوْلاهُ، والهَوى كالمُنْتَجِعِ الَّذِي إذا سَمِعَ حُضُورَ غَنِيٍّ، فَإنَّهُ يَنْشَطُ لِلِانْتِجاعِ إلَيْهِ، بَلِ العَقْلُ يَطْلُبُ مَعْرِفَةَ المَوْلى لِيَشْكُرَ لَهُ النِّعَمَ الماضِيَةَ والهَوى يَطْلُبُها لِيَطْمَعَ مِنهُ في النِّعَمِ المُتَرَبَّصَةِ، فَلَمّا عَرَفاهُ كَما أرادَهُ عالِمًا وغَنِيًّا تَعَلَّقا بِذَيْلِهِ، فَقالَ العَقْلُ: لا أشْكُرُ أحَدًا سِواكَ، وقالَتِ الشَّهْوَةُ: لا أسْألُ أحَدًا إلّا إيّاكَ، ثُمَّ جاءَتِ الشُّبْهَةُ فَقالَتْ: يا عَقْلُ كَيْفَ أفْرَدْتَهُ بِالشُّكْرِ ولَعَلَّ لَهُ مِثْلًا ؟ ويا شَهْوَةُ كَيْفَ اقْتَصَرْتِ عَلَيْهِ ولَعَلَّ هَهُنا بابًا آخَرَ ؟ فَبَقِيَ العَقْلُ مُتَحَيِّرًا وتَنَغَّصَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الرّاحَةُ، فَأرادَ أنْ يُسافِرَ في عالَمِ الِاسْتِدْلالِ لِيَفُوزَ بِجَوْهَرَةِ اليَقِينِ فَكَأنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ قالَ: كَيْفَ أُنَغِّصُ عَلى عَبْدِي لَذَّةَ الِاشْتِغالِ بِخِدْمَتِي وشُكْرِي ؟ فَبَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ وقالَ: لا تَقُلْهُ مِن عِنْدِ نَفْسِكَ، بَلْ قُلْ هو الَّذِي عَرَفْتَهُ صادِقًا يَقُولُ لِي: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَعَرَّفَكَ الوَحْدانِيَّةَ بِالسَّمْعِ وكَفاكَ مُؤْنَةَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالعَقْلِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ المَطالِبَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ، قِسْمٌ مِنها لا يُمْكِنُ الوُصُولُ إلَيْهِ بِالسَّمْعِ وهو كُلُّ ما تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ السَّمْعِ عَلى صِحَّتِهِ كالعِلْمِ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وصِحَّةِ المُعْجِزاتِ، وقِسْمٌ مِنها لا يُمْكِنُ الوُصُولُ إلَيْهِ إلّا بِالسَّمْعِ وهو وُقُوعُ كُلِّ ما عُلِمَ بِالعَقْلِ جَوازُ وُقُوعِهِ، وقِسْمٌ ثالِثٌ يُمْكِنُ الوُصُولُ إلَيْهِ بِالعَقْلِ والسَّمْعِ مَعًا، وهو كالعِلْمِ بِأنَّهُ واحِدٌ وبِأنَّهُ مَرْئِيٌّ إلى غَيْرِهِما، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا في تَقْرِيرِ دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في سُورَةِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ مِن ”قُلْ“ وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَفْظُ ”قُلْ“ في سُورَةِ: (تَبَّتْ) وأمّا في هَذِهِ السُّورَةِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فالقِراءَةُ المَشْهُورَةُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ، بِغَيْرِ ”قُلْ“ هَكَذا: (هو اللَّهُ أحَدٌ) وقَرَأ النَّبِيُّ ﷺ، بِدُونِ ”قُلْ هو“ هَكَذا: (اللَّهُ أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ) فَمَن أثْبَتَ (قُلْ) قالَ: السَّبَبُ فِيهِ بَيانُ أنَّ النَّظْمَ لَيْسَ في مَقْدُورِهِ، بَلْ يَحْكِي كُلَّ ما يُقالُ لَهُ، ومَن حَذَفَهُ قالَ: لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ ما كانَ مَعْلُومًا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ في إعْرابِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ هو كِنايَةٌ عَنِ اسْمِ اللَّهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: اللَّهُ مُرْتَفِعًا بِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، ويَجُوزُ في قَوْلِهِ: (أحَدٌ) ما يَجُوزُ في قَوْلِكَ: زَيْدٌ أخُوكَ قائِمٌ.

الثّانِي: أنَّ

صفحة ١٦٤

هُوَ كِنايَةٌ عَنِ الشَّأْنِ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ يَكُونُ اللَّهُ مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ وأحَدٌ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ تَكُونُ خَبَرًا عَنْ هو، والتَّقْدِيرُ الشَّأْنُ والحَدِيثُ: هو أنَّ اللَّهَ أحَدٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾[الأنبياء: ٩٧]إلّا أنَّ هي جاءَتْ عَلى التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ