< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah011
Hud (11)
Hud, makkah, 123 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
فاسْجَحْ.
يَقُولُ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ: قَدْ أفْنَيْتُ عُمُرِي في خِدْمَةِ العِلْمِ والمُطالَعَةِ لِلْكُتُبِ، ولا رَجاءَ لِي في شَيْءٍ إلّا أنِّي في غايَةِ الذِّلَّةِ والقُصُورِ، والكَرِيمُ إذا قَدَرَ غَفَرَ، وأسْألُكَ يا أكْرَمَ الأكْرَمِينَ ويا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ وساتِرَ عُيُوبِ المَعْيُوبِينَ ومُجِيبَ دَعْوَةِ المُضْطَرِّينَ أنْ تُفِيضَ سِجالَ رَحْمَتِكَ عَلى ولَدِي وفِلْذَةِ كَبِدِي، وأنْ تُخَلِّصَنا بِالفَضْلِ والتَّجاوُزِ والجُودِ والكَرَمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ يَعْنِي عَنْ عِبادَتِهِ وطاعَتِهِ ﴿فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّ التَّوَلِّيَ عَنْ ذَلِكَ باطِنًا كالتَّوَلِّي عَنْهُ ظاهِرًا، فَقالَ: ﴿ألا إنَّهُمْ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ مِن قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ شَيْئَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم، يُقالُ: ثَنَيْتُ الشَّيْءَ إذا عَطَفْتَهُ وطَوَيْتَهُ، وفي الآيَةِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: رُوِيَ أنَّ طائِفَةً مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا: إذا أغْلَقْنا أبْوابَنا وأرْسَلْنا سُتُورَنا، واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا وثَنَيْنا صُدُورَنا عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، فَكَيْفَ يَعْلَمُ بِنا ؟ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ كِنايَةً عَنِ النِّفاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُضْمِرُونَ خِلافَ ما يُظْهِرُونَ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ عَلى أنَّهم يَسْتَخْفُونَ مِنهُ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم.
الوَجْهُ الثّانِي: رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الكُفّارِ كانَ إذا مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ثَنى صَدْرَهُ ووَلّى ظَهْرَهُ واسْتَغْشى ثِيابَهُ، والتَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم يَنْصَرِفُونَ عَنْهُ لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم؛ لِئَلّا يَسْمَعُوا كَلامَ رَسُولِ اللَّهِ وما يَتْلُو مِنَ القُرْآنِ، ولِيَقُولُوا في أنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الطَّعْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا﴾ لِلتَّنْبِيهِ، فَنَبَّهَ أوَّلًا عَلى أنَّهم يَنْصَرِفُونَ عَنْهُ لِيَسْتَخْفُوا، ثُمَّ كَرَّرَ كَلِمَةَ ﴿ألا﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ذِكْرِ الِاسْتِخْفاءِ لِيُنَبِّهَ عَلى وقْتِ اسْتَخْفائِهِمْ، وهو حِينُ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ألا إنَّهم يَنْصَرِفُونَ عَنْهُ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ، ألا إنَّهم يَسْتَخْفُونَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ لا فائِدَةَ لَهم في اسْتِخْفائِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَثَبَتَ أنَّ رِزْقَ كُلِّ حَيَوانٍ إنَّما يَصِلُ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لَما حَصَلَتْ هَذِهِ المُهِمّاتُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: الدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ؛ لِأنَّ الدّابَّةَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّبِيبِ، وبُنِيَتْ هَذِهِ
صفحة ١٤٩
اللَّفْظَةُ عَلى هاءِ التَّأْنِيثِ، وأُطْلِقَ عَلى كُلِّ حَيَوانٍ ذِي رُوحٍ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، إلّا أنَّهُ بِحَسَبِ عُرْفِ العَرَبِ اخْتُصَّ بِالفَرَسِ، والمُرادُ بِهَذا اللَّفْظِ في هَذِهِ الآيَةِ المَوْضُوعُ الأصْلِيُّ اللُّغَوِيُّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الحَيَواناتِ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ، ولا شَكَّ أنَّ أقْسامَ الحَيَواناتِ وأنْواعَها كَثِيرَةٌ، وهي الأجْناسُ الَّتِي تَكُونُ في البَرِّ والبَحْرِ والجِبالِ، واللَّهُ يُحْصِيها دُونَ غَيْرِهِ، وهو تَعالى عالِمٌ بِكَيْفِيَّةِ طَبائِعِها وأعْضائِها وأحْوالِها وأغْذِيَتِها وسُمُومِها ومَساكِنِها، وما يُوافِقُها وما يُخالِفُها، فالإلَهُ المُدَبِّرُ لِأطْباقِ السَّماواتِ والأرَضِينَ، وطَبائِعِ الحَيَوانِ والنَّباتِ، كَيْفَ لا يَكُونُ عالِمًا بِأحْوالِها ؟ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ إلَيْهِ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِأحْوالِ أهْلِهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ عَلى صَخْرَةٍ فانْشَقَّتْ وخَرَجَتْ صَخْرَةٌ ثانِيَةٌ، ثُمَّ ضَرَبَ بِعَصاهُ عَلَيْها فانْشَقَّتْ وخَرَجَتْ صَخْرَةٌ ثالِثَةٌ، ثُمَّ