< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


قَوْلَهُ:﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا﴾ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أيْ لا تَعْبُدُوا؛ لِيَكُونَ الأمْرُ مَعْطُوفًا عَلى النَّهْيِ، فَإنَّ كَوْنَهُ بِمَعْنى لِئَلّا تَعْبُدُوا يَمْنَعُ عَطْفَ الأمْرِ عَلَيْهِ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ لِيَأْمُرَ النّاسَ أنْ لا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ويَقُولَ لَهم: إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّكْلِيفِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأنْ لا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وإذا قُلْنا: الِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، كانَ مَعْنى هَذا الكَلامِ النَّهْيَ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والأمْرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هو الحَقُّ؛ لِأنّا بَيِّنّا أنَّ ما سِوى اللَّهِ فَهو مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ، وإنَّما حَصَلَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ وإيجادِهِ، والعِبادَةُ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ الخُضُوعِ والخُشُوعِ ونِهايَةِ التَّواضُعِ والتَّذَلُّلِ، وهَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالخالِقِ المُدَبِّرِ الرَّحِيمِ المُحْسِنِ، فَثَبَتَ أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ مُنْكَرَةٌ، والإعْراضَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُنْكَرٌ.

صفحة ١٤٥

واعْلَمْ أنَّ عِبادَةَ اللَّهِ مَشْرُوطَةٌ بِتَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ العِبادَةِ؛ لِأنَّ مَن لا يَعْرِفُ مَعْبُودَهُ لا يَنْتَفِعُ بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ أمْرًا بِتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ أوَّلًا. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾[البَقَرَةِ: ٢١] ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾[البَقَرَةِ: ٢١] وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِالعِبادَةِ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (مِنهُ) عائِدٌ إلى الحَكِيمِ الخَبِيرِ، والمَعْنى: إنَّنِي لَكم نَذِيرٌ وبَشِيرٌ مِن جِهَتِهِ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى المَنعِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وعَلى التَّرْغِيبِ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَذِيرٌ عَلى الأوَّلِ بِإلْحاقِ العَذابِ الشَّدِيدِ لِمَن لَمْ يَأْتِ بِها، وبَشِيرٌ عَلى الثّانِي بِإلْحاقِ الثَّوابِ العَظِيمِ لِمَن أتى بِها.

واعْلَمْ أنَّهُ ﷺ ما بُعِثَ إلّا لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وهو الإنْذارُ عَلى فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، والبِشارَةُ عَلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي.

المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ .

والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ واخْتَلَفُوا في بَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ هاتَيْنِ المَرْتَبَتَيْنِ عَلى وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ اطْلُبُوا مِن رَبِّكُمُ المَغْفِرَةَ لِذُنُوبِكم، ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْءَ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ ذَلِكَ وهو التَّوْبَةُ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾؛ لِأنَّ الدّاعِيَ إلى التَّوْبَةِ والمُحَرِّضَ عَلَيْها هو الِاسْتِغْفارُ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ طَلَبِ المَغْفِرَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلّا بِإظْهارِ التَّوْبَةِ، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المُذْنِبَ مُعْرِضٌ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، والمُعْرِضُ المُتَمادِي في التَّباعُدِ ما لَمْ يَرْجِعْ عَنْ ذَلِكَ الإعْراضِ لا يُمْكِنُهُ التَّوَجُّهُ إلى المَقْصُودِ بِالذّاتِ، فالمَقْصُودُ بِالذّاتِ هو التَّوَجُّهُ إلى المَطْلُوبِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِالإعْراضِ عَمّا يُضادُّهُ، فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِغْفارَ مَطْلُوبٌ بِالذّاتِ، وأنَّ التَّوْبَةَ مَطْلُوبَةٌ لِكَوْنِها مِن مُتَمِّماتِ الِاسْتِغْفارِ، وما كانَ آخِرًا في الحُصُولِ كانَ أوَّلًا في الطَّلَبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ ذِكْرَ الِاسْتِغْفارِ عَلى التَّوْبَةِ.

الوَجْهُ الثّانِي في فائِدَةِ هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ المُرادَ: اسْتَغْفِرُوا مِن سالِفِ الذُّنُوبِ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ في المُسْتَأْنَفِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: وأنِ اسْتَغْفِرُوا مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي، ثُمَّ تُوبُوا مِنَ الأعْمالِ الباطِلَةِ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: الِاسْتِغْفارُ طَلَبٌ