< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah011
Hud (11)
Hud, makkah, 123 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ الأُولى.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ مِنهُ البَصِيرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ أنَّهم عَدَلُوا عَنْ إبْصارِ ما يَكُونُ حُجَّةً لَهم.الصِّفَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُمُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ هَذا الخُسْرانُ أعْظَمَ وُجُوهِ الخُسْرانِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ والمَعْنى أنَّهم لَمّا باعُوا الدِّينَ بِالدُّنْيا فَقَدْ خَسِرُوا؛ لِأنَّهم أعْطَوُا الشَّرِيفَ، ورَضُوا بِأخْذِ الخَسِيسِ، وهَذا عَيْنُ الخُسْرانِ في الدُّنْيا ثُمَّ في الآخِرَةِ، فَهَذا الخَسِيسُ يَضِيعُ ويَهْلَكُ ولا يَبْقى مِنهُ أثَرٌ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .
الصِّفَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ وتَقْرِيرُهُ ما تَقَدَّمَ، وهو أنَّهُ لَمّا أعْطى الشَّرِيفَ الرَّفِيعَ ورَضِيَ بِالخَسِيسِ الوَضِيعِ فَقَدْ خَسِرَ في التِّجارَةِ. ثُمَّ لَمّا كانَ هَذا الخَسِيسُ بِحَيْثُ لا يَبْقى بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَهْلَكَ ويَفْنى انْقَلَبَتْ تِلْكَ التِّجارَةُ إلى النِّهايَةِ في صِفَةِ الخَسارَةِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿لا جَرَمَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِنا: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُها حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ حَقًّا، تَقُولُ العَرَبُ: لا جَرَمَ أنَّكَ مُحْسِنٌ، عَلى مَعْنى حَقًّا إنَّكَ مُحْسِنٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَلَهم فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ”لا“ حَرْفُ نَفْيٍ وجَزْمٍ، أيْ قَطْعٍ، فَإذا قُلْنا: لا جَرَمَ مَعْناهُ أنَّهُ لا قَطْعَ قاطِعٍ عَنْهم أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ كَلِمَةَ ”لا“ نَفْيٌ لِما ظَنُّوا أنَّهُ يَنْفَعُهم، و”جَرَمَ“ مَعْناهُ كَسَبَ ذَلِكَ الفِعْلُ، والمَعْنى: لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ وكَسَبَ ذَلِكَ الفِعْلُ لَهُمُ الخُسْرانَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذَكَرْنا ”جَرَمَ“ بِمَعْنى كَسَبَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾[المائِدَةِ: ٢] قالَ الأزْهَرِيُّ: وهَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في هَذا البابِ.
الثّالِثُ: قالَ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ: ”لا“ رَدٌّ عَلى أهْلِ الكُفْرِ كَما ذَكَرْنا، و”جَرَمَ“ مَعْناهُ حَقَّ وصَحَّ، والتَّأْوِيلُ أنَّهُ حَقُّ كُفْرِهِمْ وُقُوعُ العَذابِ والخُسْرانِ بِهِمْ. واحْتَجَّ سِيبَوَيْهِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
صفحة ١٦٧
ولَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً جَرَمَتْ فَزارَةَ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا
أرادَ حَقَّتِ الطَّعْنَةُ فَزارَةَ أنْ يَغْضَبُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عُقُوبَةَ الكافِرِينَ وخُسْرانَهم، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ. والإخْباتُ هو الخُشُوعُ والخُضُوعُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الخَبْتِ وهو الأرْضُ المُطْمَئِنَّةُ، وخَبَتَ ذِكْرُهُ أيْ خَفِيَ، فَقَوْلُهُ: أخْبَتَ أيْ دَخَلَ في الخَبْتِ، كَما يُقالُ فِيمَن صارَ إلى نَجْدٍ: أنْجَدَ، وإلى تِهامَةَ: أتْهَمَ، ومِنهُ المُخْبِتُ مِنَ النّاسِ الَّذِي أخْبَتَ إلى رَبِّهِ، أيِ: اطْمَأنَّ إلَيْهِ. ولَفْظُ الإخْباتِ يَتَعَدّى بِإلى وبِاللّامِ، فَإذا قُلْنا: أخْبَتَ فُلانٌ إلى كَذا فَمَعْناهُ اطْمَأنَّ إلَيْهِ، وإذا قُلْنا: أخْبَتَ لَهُ فَمَعْناهُ خَشَعَ لَهُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَوْلُهُ ﴿وأخْبَتُوا﴾إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الأعْمالَ لا تَنْفَعُ في الآخِرَةِ إلّا مَعَ الأحْوالِ القَلْبِيَّةِ، ثُمَّ إنْ فَسَرَّنا الإخْباتَ بِالطُّمَأْنِينَةِ كانَ المُرادُ أنَّهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ وكانَتْ قُلُوبُهم عِنْدَ أداءِ العِباداتِ مُطْمَئِنَّةً بِذِكْرِ اللَّهِ، فارِغَةً عَنِ الِالتِفاتِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى. أوْ يُقالُ: إنَّما قُلُوبُهم صارَتْ مُطْمَئِنَّةً إلى صِدْقِ اللَّهِ بِكُلِّ ما وعَدَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وأمّا إنْ فَسَّرْنا الإخْباتَ بِالخُشُوعِ كانَ مَعْناهُ أنَّهم يَأْتُونَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ خائِفِينَ وجِلِينَ مِن أنْ يَكُونُوا أتَوْا بِها مَعَ وُجُودِ الإخْلالِ والتَّقْصِيرِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَن حَصَلَ