< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


والعِشْرُونَ: أنَسِيتَ يا مُحَمَّدُ أنِّي قَدَّمْتُ حَقَّكَ عَلى حَقِّ نَفْسِي ؟ فَقُلْتُ:﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾[البينة: ١] فَقَدَّمْتُ أهْلَ الكِتابِ في الكُفْرِ عَلى المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ طَعْنَ أهْلِ الكِتابِ فِيكَ، وطَعْنَ المُشْرِكِينَ فِيَّ، فَقَدَّمْتُ حَقَّكَ عَلى حَقِّ نَفْسِي وقَدَّمْتُ أهْلَ الكِتابِ في الذَّمِّ عَلى المُشْرِكِينَ، وأنْتَ أيْضًا هَكَذا كُنْتَ تَفْعَلُ فَإنَّهم لَمّا كَسَرُوا سِنَّكَ قُلْتَ: ”«اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي» “ ولَمّا شَغَلُوكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنِ الصَّلاةِ قُلْتَ: ”«اللَّهُمَّ امْلَأْ بُطُونَهم نارًا» “ فَهَهُنا أيْضًا قَدِّمْ حَقِّي عَلى حَقِّ نَفْسِكَ وسَواءٌ كُنْتَ خائِفًا مِنهم، أوْ لَسْتَ خائِفًا مِنهم فَأظْهِرْ إنْكارَ قَوْلِهِمْ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .

الثّالِثُ والعِشْرُونَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: قِصَّةُ امْرَأةِ زَيْدٍ واقِعَةٌ حَقِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذِهِ الواقِعَةِ، ثُمَّ إنَّنِي هُناكَ ما رَضِيتُ مِنكَ أنْ تُضْمِرَ في قَلْبِكَ شَيْئًا ولا تُظْهِرَهُ بِلِسانِكَ، بَلْ قُلْتُ لَكَ عَلى سَبِيلِ العِتابِ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾[الأحزاب: ٣٧] فَإذا كُنْتُ لَمْ أرْضَ مِنكَ في تِلْكَ الواقِعَةِ الحَقِيرَةِ إلّا بِالإظْهارِ، وتَرْكِ المُبالاةِ بِأقْوالِ النّاسِ فَكَيْفَ أرْضى مِنكَ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وهي أعْظَمُ المَسائِلِ خَطَرًا بِالسُّكُوتِ ؟ قُلْ بِصَرِيحِ لِسانِكَ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .

الرّابِعُ والعِشْرُونَ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتُ قُلْتُ لَكَ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾[الفرقان: ٥١] ثُمَّ إنِّي في هَذِهِ القُدْرَةِ راعَيْتُ جانِبَكَ وطَيَّبْتُ قَلْبَكَ ونادَيْتُ في العالَمِينَ بِأنِّي لا أجْعَلُ الرِّسالَةَ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، بَلِ الرِّسالَةُ لَهُ لا لِغَيْرِهِ حَيْثُ قُلْتُ: ﴿ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾[الأحزاب: ٤٠] فَأنْتَ مَعَ عِلْمِكَ بِأنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَقْلًا أنْ يُشارِكَنِي غَيْرِي في المَعْبُودِيَّةِ أوْلى أنْ تُنادِيَ في العالَمِينَ بِنَفْيِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ. فَقُلْ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .

الخامِسُ والعِشْرُونَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: القَوْمُ جاءُوكَ وأطْمَعُوكَ في مُتابَعَتِهِمْ لَكَ ومُتابَعَتِكَ لِدِينِهِمْ فَسَكَتَّ عَنِ الإنْكارِ والرَّدِّ، ألَسْتُ أنا جَعَلْتُ البَيْعَةَ مَعَكَ بَيْعَةً مَعِي حَيْثُ قُلْتُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾[الفتح: ١٠] وجَعَلْتُ مُتابَعَتَكَ مُتابَعَةً لِي حَيْثُ قُلْتُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾[آل عمران: ٣١] ثُمَّ إنِّي نادَيْتُ في العالَمِينَ وقُلْتُ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾[التوبة: ٣] فَصَرِّحْ أنْتَ أيْضًا بِذَلِكَ، و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .

السّادِسُ والعِشْرُونَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ألَسْتُ أرْأفُ بِكَ مِنَ الوالِدِ بِوَلَدِهِ، ثُمَّ العُرْيُ والجُوعُ مَعَ الوالِدِ أحْسَنُ مِنَ الشِّبَعِ مَعَ الأجانِبِ، كَيْفَ والجُوعُ لَهم لِأنَّ أصْنامَهم جائِعَةٌ عَنِ الحَياةِ عارِيَةٌ عَنِ الصِّفاتِ وهم جائِعُونَ عَنِ العِلْمِ عارُونَ عَنِ التَّقْوى، فَقَدْ جَرَّبْتَنِي، ألَمْ أجِدْكَ

صفحة ١٣١

يَتِيمًا وضالًّا وعائِلًا ؟ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ؟ ألَمْ أُعْطِكَ بِالصِّدِّيقِ خَزِينَةً وبِالفارُوقِ هَيْبَةً وبِعُثْمانَ مَعُونَةً، وبِعَلِيٍّ عِلْمًا ؟ ألَمْ أكْفِ أصْحابَ الفِيلِ حِينَ حاوَلُوا تَخْرِيبَ بَلْدَتِكَ ؟ ألَمْ أكْفِ أسْلافَكَ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ؟ ألَمْ أُعْطِكَ الكَوْثَرَ ؟ ألَمْ أضْمَن أنَّ خَصْمَكَ أبْتَرُ ؟ ألَمْ يَقُلْ جَدُّكَ في هَذِهِ الأصْنامِ بَعْدَ تَخْرِيبِها: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾[مريم: ٤٢] فَصَرِّحْ بِالبَراءَةِ عَنْها و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .

* * *

السّابِعُ والعِشْرُونَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتُ قَدْ نَزَّلْتُ عَلَيْكَ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾[البقرة: ٢٠٠] .

ثُمَّ إنَّ واحِدًا لَوْ نَسَبَكَ إلى والِدَيْنِ لَغَضِبْتَ ولَأظْهَرْتَ