< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


بِمالِ نَفْسِهِ أوْلى، وضِدُّهُ في مَدْحِ المُؤْمِنِينَ:﴿وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ ] البَلَدِ: ١٧ ]، ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾[العصر: ٣]، ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . [العصر: ٣]﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ لا يَفْعَلُ إيذاءَ اليَتِيمِ والمَنعَ مِنَ الإطْعامِ دَلِيلًا عَلى النِّفاقِ، فالصَّلاةُ لا مَعَ الخُضُوعِ، والخُضُوعُ أوْلى، أنْ تَدُلَّ عَلى النِّفاقِ؛ لِأنَّ الإيذاءَ والمَنعَ مِنَ النَّفْعِ مُعامَلَةٌ مَعَ المَخْلُوقِ، أمّا الصَّلاةُ فَإنَّها خِدْمَةٌ لِلْخالِقِ.

وثانِيها: كَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ إيذاءَ اليَتِيمِ وتَرْكَهُ لِلْحَضِّ كَأنَّ سائِلًا قالَ: ألَيْسَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ؟ فَقالَ لَهُ: الصَّلاةُ كَيْفَ تَنْهاهُ عَنْ هَذا الفِعْلِ المُنْكَرِ وهي مَصْنُوعَةٌ مِن عَيْنِ الرِّياءِ والسَّهْوِ.

وثالِثُها: كَأنَّهُ يَقُولُ: إقْدامُهُ عَلى إيذاءِ اليَتِيمِ وتَرْكُهُ لِلْحَضِّ، تَقْصِيرٌ فِيما يَرْجِعُ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وسَهْوُهُ في الصَّلاةِ تَقْصِيرٌ فِيما يَرْجِعُ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، فَلَمّا وقَعَ التَّقْصِيرُ في الأمْرَيْنِ فَقَدْ كَمُلَتْ شَقاوَتُهُ: فَلِهَذا قالَ: (فَوَيْلٌ) واعْلَمْ أنَّ هَذا اللَّفْظَ إنَّما

صفحة ١٠٧

يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الجَرِيمَةِ الشَّدِيدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾[المطففين: ١]﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾[البقرة: ٧٩]، ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾[الهمزة: ١] ويُرْوى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَنُوحُ في النّارِ بِحَسَبِ جَرِيمَتِهِ، فَقائِلٌ يَقُولُ: ويْلِي مِن حُبِّ الشَّرَفِ، وآخَرُ يَقُولُ: ويْلِي مِنَ الحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ، وآخَرُ يَقُولُ: ويْلِي مِن صَلاتِي، فَلِهَذا يُسْتَحَبُّ عِنْدَ سَماعِ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، أنْ يَقُولَ المَرْءُ ويْلِي إنْ لَمْ يُغْفَرْ لِي.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى حُصُولِ التَّهْدِيدِ العَظِيمِ بِفِعْلِ ثَلاثَةِ أُمُورٍ:

أحَدُها: السَّهْوُ عَنِ الصَّلاةِ.

وثانِيها: فِعْلُ المُراءاةِ.

وثالِثُها: مَنعُ الماعُونِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن بابِ الذُّنُوبِ، ولا يَصِيرُ المَرْءُ بِهِ مُنافِقًا، فَلِمَ حَكَمَ اللَّهُ بِمِثْلِ هَذا الوَعِيدِ عَلى فاعِلِ هَذِهِ الأفْعالِ ؟ ولِأجْلِ هَذا الإشْكالِ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ أيْ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِهَذِهِ الأفْعالِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الكافِرَ لَهُ مَزِيدُ عُقُوبَةٍ بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى مَحْظُوراتِ الشَّرْعِ وتَرْكِهِ لِواجِباتِ الشَّرْعِ، وهو يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ الشّافِعِيِّ: إنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ، وهَذا الجَوابُ هو المُعْتَمَدُ.

وثانِيها: ما رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَوْ قالَ اللَّهُ: في صَلاتِهِمْ ساهُونَ، لَكانَ هَذا الوَعِيدُ في المُؤْمِنِينَ لَكِنَّهُ قالَ: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ والسّاهِي عَنِ الصَّلاةِ هو الَّذِي لا يَتَذَكَّرُها ويَكُونُ فارِغًا عَنْها، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِأنَّ السَّهْوَ عَنِ الصَّلاةِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفَسَّرًا بِتَرْكِ الصَّلاةِ، لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ لَهُمُ الصَّلاةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ وأيْضًا فالسَّهْوُ عَنِ الصَّلاةِ بِمَعْنى التَّرْكِ لا يَكُونُ نِفاقًا ولا كُفْرًا فَيَعُودُ الإشْكالُ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنِ الِاعْتِراضِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ مُصَلِّينَ نَظَرًا إلى الصُّورَةِ وبِأنَّهم نَسُوا الصَّلاةَ بِالكُلِّيَّةِ نَظَرًا إلى المَعْنى كَما قالَ: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾[النساء: ١٤٢]ويُجابُ عَنِ الِاعْتِراضِ الثّانِي بِأنَّ النِّسْيانَ عَنِ الصَّلاةِ هو أنْ يَبْقى ناسِيًا لِذِكْرِ اللَّهِ في جَمِيعِ أجْزاءِ الصَّلاةِ، وهَذا لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ المُنافِقِ الَّذِي يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا فائِدَةَ في الصَّلاةِ، أمّا المُسْلِمُ الَّذِي يَعْتَقِدُ فِيها فائِدَةً عَيْنِيَّةً يَمْتَنِعُ أنْ لا يَتَذَكَّرَ أمْرَ الدِّينِ والثَّوابَ والعِقابَ في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ الصَّلاةِ، بَلْ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ السَّهْوُ في الصَّلاةِ بِمَعْنى أنَّهُ يَصِيرُ ساهِيًا