< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah105
Al-Fil (105)
The Elephant, makkah, 5 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
وعَدَمِ الفَهْمِ والعَقْلِ، بَلْ فِيهِ دَقِيقَةٌ، وهي: أنَّهُ إذا حَصَلَتِ المُصاحَبَةُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ، فَيُقالُ لِلْأدْوَنِ: إنَّهُ صاحِبُ الأعْلى، ولا يُقالُ لِلْأعْلى: إنَّهُ صاحِبُ الأدْوَنِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِمَن صَحِبَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّهُمُ الصَّحابَةُ، فَقَوْلُهُ:﴿بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا أقَلَّ حالًا وأدْوَنَ مَنزِلَةً مِنَ الفِيلِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾[الأعراف: ١٧٩]ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّهم كُلَّما وجَّهُوا الفِيلَ إلى جِهَةِ
صفحة ٩٤
الكَعْبَةِ كانَ يَتَحَوَّلُ عَنْهُ ويَفِرُّ عَنْهُ، كَأنَّهُ كانَ يَقُولُ: لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ عَزْمِي حَمِيدٌ فَلا أتْرُكُهُ وهم ما كانُوا يَتْرُكُونَ تِلْكَ العَزِيمَةَ الرَّدِيَّةَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الفِيلَ كانَ أحْسَنَ حالًا مِنهم.السُّؤالُ السّابِعُ: ألَيْسَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كانُوا مَلَأُوا الكَعْبَةَ مِنَ الأوْثانِ مِن قَدِيمِ الدَّهْرِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ كانَ أقْبَحَ مِن تَخْرِيبِ جُدْرانِ الكَعْبَةِ، فَلِمَ سَلَّطَ اللَّهُ العَذابَ عَلى مَن قَصَدَ التَّخْرِيبَ، ولَمْ يُسَلِّطِ العَذابَ عَلى مَن مَلَأها مِنَ الأوْثانِ ؟
والجَوابُ: لِأنَّ وضْعَ الأوْثانِ فِيها تَعَدٍّ عَلى حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وتَخْرِيبَها تَعَدٍّ عَلى حَقِّ الخَلْقِ، ونَظِيرُهُ قاطِعُ الطَّرِيقِ، والباغِي والقاتِلُ يُقْتَلُونَ مَعَ أنَّهم مُسْلِمُونَ، ولا يُقْتَلُ الشَّيْخُ الكَبِيرُ والأعْمى وصاحِبُ الصَّوْمَعَةِ والمَرْأةُ، وإنْ كانُوا كُفّارًا، لِأنَّهُ لا يَتَعَدّى ضَرَرُهم إلى الخَلْقِ.
السُّؤالُ الثّامِنُ: كَيْفَ القَوْلُ في إعْرابِ هَذِهِ الآيَةِ ؟ الجَوابُ: قالَ الزَّجّاجُ: كَيْفَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ لا بِقَوْلِهِ: (ألَمْ تَرَ) لِأنَّ كَيْفَ مِن حُرُوفِ الِاسْتِفْهامِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما فَعَلَ بِهِمْ. فَقالَ: ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الكَيْدَ هو إرادَةٌ مُضِرَّةٌ بِالغَيْرِ عَلى الخُفْيَةِ، إنْ قِيلَ: فَلِمَ سَمّاهُ كَيْدًا وأمْرُهُ كانَ ظاهِرًا، فَإنَّهُ كانَ يُصَرِّحُ أنَّهُ يَهْدِمُ البَيْتَ ؟ قُلْنا: نَعَمْ، لَكِنَّ الَّذِي كانَ في قَلْبِهِ شَرٌّ مِمّا أظْهَرَ، لِأنَّهُ كانَ يُضْمِرُ الحَسَدَ لِلْعَرَبِ، وكانَ يُرِيدُ صَرْفَ الشَّرَفِ الحاصِلِ لَهم بِسَبَبِ الكَعْبَةِ مِنهم ومِن بَلَدِهِمْ إلى نَفْسِهِ وإلى بَلْدَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إضافَةُ الكَيْدِ إلَيْهِمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَرْضى بِالقَبِيحِ، إذْ لَوْ رَضِيَ لَأضافَهُ إلى ذاتِهِ، كَقَوْلِهِ: ”الصَّوْمُ لِي“ والجَوابُ: أنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّهُ يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، فَلِمَ لا يَكْفِي في حُسْنِ هَذِهِ الإضافَةِ وُقُوعُهُ مُطابِقًا لِإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ ؟
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾ أيْ في تَضْيِيعٍ وإبْطالٍ يُقالُ: ضَلَّلَ كَيْدَهُ إذا جَعَلَهُ ضالًّا ضائِعًا ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾[ غافِرٍ: ٥٠] وقِيلَ لِامْرِئِ القَيْسِ: المَلِكُ الضَّلِيلُ: لِأنَّهُ ضَلَّلَ مُلْكَ أبِيهِ أيْ ضَيَّعَهُ. بِمَعْنى أنَّهم كادُوا البَيْتَ أوَّلًا بِبِناءِ القُلَّيْسِ وأرادُوا أنْ يَفْتَتِحُوا أمْرَهُ بِصَرْفِ وُجُوهِ الحاجِّ إلَيْهِ، فَضَلَّلَ كَيْدَهم بِإيقاعِ الحَرِيقِ فِيهِ، ثُمَّ كادُوهُ ثانِيًا بِإرادَةِ هَدْمِهِ فَضَلَّلَ بِإرْسالِ الطَّيْرِ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى حَرْفِ الظَّرْفِ كَما يُقالُ: سَعْيُ فُلانٍ في ضَلالٍ، أيْ سَعْيُهم كانَ قَدْ ظَهَرَ لِكُلِّ عاقِلٍ أنَّهُ كانَ ضَلالٌ وخَطَأٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: (طَيْرًا) عَلى التَّنْكِيرِ ؟ والجَوابُ: إمّا لِلتَّحْقِيرِ فَإنَّهُ مَهْما كانَ أحْقَرَ كانَ صُنْعُ اللَّهِ أعْجَبَ وأكْبَرَ، أوْ لِلتَّفْخِيمِ كَأنَّهُ يَقُولُ: طَيْرًا وأيُّ طَيْرٍ تَرْمِي بِحِجارَةٍ صَغِيرَةٍ فَلا تُخْطِئُ المَقْتَلَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما الأبابِيلُ ؟ الجَوابُ: أمّا أهْلُ اللُّغَةِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أبابِيلُ جَماعَةٌ في تَفْرِقَةٍ، يُقالُ: جاءَتْ
صفحة ٩٥
الخَيْلُ أبابِيلَ أبابِيلَ مِن هَهُنا وهَهُنا، وهَلْ لِهَذِهِ اللَّفْظَةِ واحِدٌ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ:الأوَّلُ: وهو