< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


قَدْ يَكُونُ لِحاضِرٍ، وقَدْ يَكُونُ لِغائِبٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدْ يَكُونُ بِاللَّفْظِ، وقَدْ يَكُونُ بِإشارَةِ الرَّأْسِ والعَيْنِ وغَيْرِهِما، وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ تَحْتَ النَّهْيِ والزَّجْرِ، إنَّما البَحْثُ في أنَّ اللَّفْظَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ مَوْضُوعٌ لِماذا، فَما كانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لَهُ كانَ مَنهِيًّا بِحَسَبِ اللَّفْظِ، وما لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لَهُ كانَ داخِلًا تَحْتَ النَّهْيِ بِحَسَبِ القِياسِ الجَلِيِّ، ولَمّا كانَ الرَّسُولُ أعْظَمَ النّاسِ مَنصِبًا في الدِّينِ كانَ الطَّعْنُ فِيهِ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ، فَلا جَرَمَ قالَ:﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: (الَّذِي) بَدَلٌ مِن كُلٍّ أوْ نَصْبٌ عَلى ذَمٍّ، وإنَّما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الوَصْفِ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ والعِلَّةِ في الهَمْزِ واللَّمْزِ وهو إعْجابُهُ بِما جَمَعَ مِنَ المالِ، وظَنُّهُ أنَّ الفَضْلَ فِيهِ لِأجْلِ ذَلِكَ فَيَسْتَنْقِصُ غَيْرَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ ”جَمَّعَ“ بِالتَّشْدِيدِ والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، والمَعْنى في جَمَّعَ وجَمَعَ واحِدٌ مُتَقارِبٌ، والفَرْقُ أنَّ ”جَمَّعَ“ بِالتَّشْدِيدِ يُفِيدُ أنَّهُ جَمَعَهُ مِن هَهُنا وهَهُنا، وأنَّهُ لَمْ يَجْمَعْهُ في يَوْمٍ واحِدٍ، ولا في يَوْمَيْنِ، ولا في شَهْرٍ ولا في شَهْرَيْنِ، يُقالُ: فُلانٌ يُجَمِّعُ الأمْوالَ أيْ يَجْمَعُها مِن هَهُنا وهَهُنا، وأمّا جَمَعَ بِالتَّخْفِيفِ، فَلا يُفِيدُ ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهُ: (مالًا) فالتَّنْكِيرُ فِيهِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يُقالَ:

صفحة ٨٨

المالُ اسْمٌ لِكُلِّ ما في الدُّنْيا كَما قالَ: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾[الكهف: ٤٩] فَمالُ الإنْسانِ الواحِدِ بِالنِّسْبَةِ إلى مالِ كُلِّ الدُّنْيا حَقِيرٌ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَفْتَخِرَ بِذَلِكَ القَلِيلِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ التَّعْظِيمَ؛ أيْ: مالٌ بَلَغَ في الخُبْثِ والفَسادِ أقْصى النِّهاياتِ. فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَفْتَخِرَ بِهِ ؟ أمّا قَوْلُهُ: (وعَدَّدَهُ) فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ العُدَّةِ وهي الذَّخِيرَةُ يُقالُ: أعْدَدْتُ الشَّيْءَ لِكَذا وعَدَدْتُهُ إذا أمْسَكْتَهُ لَهُ وجَعَلْتَهُ عُدَّةً وذَخِيرَةً لِحَوادِثِ الدَّهْرِ.

وثانِيها: عَدَّدَهُ أيْ: أحْصاهُ وجاءَ التَّشْدِيدُ لِكَثْرَةِ المَعْدُودِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يُعَدِّدُ فَضائِلَ فُلانٍ، ولِهَذا قالَ السُّدِّيُّ: وعَدَّدَهُ أيْ أحْصاهُ يَقُولُ: هَذا لِي وهَذا لِي يُلْهِيهِ مالُهُ بِالنَّهارِ فَإذا جاءَ اللَّيْلُ كانَ يُخْفِيهِ.

وثالِثُها: عَدَّدَهُ أيْ كَثَّرَهُ يُقالُ: في بَنِي فُلانٍ عَدَدٌ أيْ كَثْرَةٌ، وهَذانِ القَوْلانِ الأخِيرانِ راجِعانِ إلى مَعْنى العَدَدِ، والقَوْلُ الثّالِثُ إلى مَعْنى العُدَّةِ، وقَرَأ بَعْضُهم ”وعَدَدَهُ“ بِالتَّخْفِيفِ وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى: جَمَعَ المالَ وضَبَطَ عَدَدَهُ وأحْصاهُ.

وثانِيهِما: جَمَعَ مالَهُ وعَدَدَ قَوْمِهِ الَّذِينَ يَنْصُرُونَهُ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ ذُو عَدَدٍ وعُدَدٍ إذا كانَ لَهُ عَدَدٌ وافِرٌ مِنَ الأنْصارِ، والرَّجُلُ مَتى كانَ كَذَلِكَ كانَ أدْخَلَ في التَّفاخُرِ.

ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الجَهْلِ فَقالَ: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ .

واعْلَمْ أنْ أخْلَدَهُ وخَلَّدَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، ثُمَّ في التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى طُولَ المالِ أمَّلَهُ، حَتّى أصْبَحَ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ، يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ تَرَكَهُ خالِدًا في الدُّنْيا لا يَمُوتُ وإنَّما قالَ: (أخْلَدَهُ) ولَمْ يَقُلْ: يُخَلِّدُهُ؛ لِأنَّ المُرادَ يَحْسَبُ هَذا الإنْسانُ أنَّ المالَ ضَمِنَ لَهُ الخُلُودَ وأعْطاهُ الأمانَ مِنَ المَوْتِ وكَأنَّهُ حُكْمٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، ولِذَلِكَ ذَكَرَهُ عَلى الماضِي. قالَ الحَسَنُ: ما رَأيْتُ يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ أشْبَهَ بِشَكٍّ لا يَقِينَ فِيهِ كالمَوْتِ.

وثانِيها: يَعْمَلُ الأعْمالَ المُحْكَمَةَ كَتَشْيِيدِ البُنْيانِ بِالآجُرِّ والجِصِّ، عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّهُ يَبْقى حَيًّا أوْ لِأجْلِ أنْ يُذْكَرَ بِسَبَبِهِ بَعْدَ المَوْتِ.

وثالِثُها: أحَبَّ المالَ حُبًّا شَدِيدًا حَتّى اعْتَقَدَ أنَّهُ: إنِ انْتَقَصَ مالِي أمُوتُ، فَلِذَلِكَ يَحْفَظُهُ مِنَ النُّقْصانِ لِيَبْقى حَيًّا، وهَذا غَيْرُ بَعِيدٍ مِنِ