< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah102
At-Takaathur (102)
Competition, makkah, 8 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
إذا زُرْتُمُ المَقابِرَ، هَكَذا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ حالُكم، وهو أنْ يَكُونَ حَظُّكم مِن دِينِكم ذَلِكَ القَدْرَ القَلِيلَ مِنَ الِانْكِسارِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى:﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾[الأعراف: ١٠] أيْ لا أقْنَعُ مِنكم بِهَذا القَدْرِ القَلِيلِ مِنَ الشُّكْرِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ عَنْ كَذا وإنَّما لَمْ يَذْكُرْهُ، لِأنَّ المُطْلَقَ أبْلَغُ في الذَّمِّ لِأنَّهُ يَذْهَبُ الوَهْمُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما يَحْتَمِلُهُ المَوْضِعُ، أيْ: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الواجِباتِ والمَندُوباتِ في المَعْرِفَةِ والطّاعَةِ والتَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ، أوْ نَقُولُ: إنْ نَظَرْنا إلى ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ فالمَعْنى: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ عَنِ التَّدَبُّرِ في أمْرِ القارِعَةِ والِاسْتِعْدادِ لَها قَبْلَ المَوْتِ، وإنْ نَظَرْنا إلى الأسْفَلِ فالمَعْنى ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ، فَنَسِيتُمُ القَبْرَ حَتّى زُرْتُمُوهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فَهو يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ وبِما بَعْدَهُ، أمّا الأوَّلُ
صفحة ٧٥
فَعَلى وجْهِ الرَّدِّ والتَّكْذِيبِ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَتَوَهَّمُهُ هَؤُلاءِ مِن أنَّ السَّعادَةَ الحَقِيقِيَّةَ بِكَثْرَةِ العَدَدِ والأوْلادِ، وأمّا اتِّصالُهُ بِما بَعْدَهُ، فَعَلى مَعْنى القَسَمِ أيْ حَقًّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ لَكِنْ حِينَ يَصِيرُ الفاسِقُ تائِبًا، والكافِرُ مُسْلِمًا، والحَرِيصُ زاهِدًا، ومِنهُ قَوْلُ الحَسَنِ: لا يَغُرَّنَّكَ كَثْرَةُ مَن تَرى حَوْلَكَ فَإنَّكَ تَمُوتُ وحْدَكَ، وتُحاسَبُ وحْدَكَ، وتَقْرِيرُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ﴾[عبس: ٣٤]، ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾[مريم: ٨٠]، ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾[الأنعام: ٩٤] إلى أنْ قالَ: ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾[ الأنْعامِ: ٩٤] وهَذا يَمْنَعُكَ عَنِ التَّكاثُرِ، وذَكَرُوا في التَّكْرِيرِ وُجُوهًا:أحَدُها: أنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ، وأنَّهُ وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ كَما تَقُولُ لِلْمَنصُوحِ: أقُولُ لَكَ، ثُمَّ أقُولُ لَكَ: لا تَفْعَلْ.
وثانِيها: أنَّ الأوَّلَ عِنْدَ المَوْتِ حَيْثُ يُقالُ لَهُ: لا بُشْرى، والثّانِي في سُؤالِ القَبْرِ: مَن رَبُّكَ ؟ والثّالِثُ عِنْدَ النُّشُورِ حِينَ يُنادِي المُنادِي، فُلانٌ شَقِيٌّ شَقاوَةً لا سَعادَةَ بَعْدَها أبَدًا وحِينَ يُقالُ: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ﴾[يس: ٥٩]
وثالِثُها: عَنِ الضَّحّاكِ سَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّها الكُفّارُ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ، وكانَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، فالأوَّلُ وعِيدٌ والثّانِي وعْدٌ.
ورابِعُها: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ قُبْحَ الظُّلْمِ والكَذِبِ وحُسْنَ العَدْلِ والصِّدْقِ، لَكِنْ لا يَعْرِفُ قَدْرَ آثارِها ونَتائِجِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَقُولُ: سَوْفَ تَعْلَمُ العِلْمَ المُفَصَّلَ لَكِنَّ التَّفْصِيلَ يَحْتَمِلُ الزّائِدَ، فَمَهْما حَصَلَتْ زِيادَةُ لَذَّةٍ، ازْدادَ عِلْمًا، وكَذا في جانِبِ العُقُوبَةِ، فَقَسَّمَ ذَلِكَ عَلى الأحْوالِ، فَعِنْدَ المُعايَنَةِ يَزْدادُ، ثُمَّ عِنْدَ البَعْثِ، ثُمَّ عِنْدَ الحِسابِ، ثُمَّ عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ والنّارِ، فَلِذَلِكَ وقَعَ التَّكْرِيرُ.
وخامِسُها: أنَّ إحْدى الحالَتَيْنِ عَذابُ القَبْرِ والأُخْرى عَذابُ القِيامَةِ، كَما رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ أشُكُّ في عَذابِ القَبْرِ، حَتّى سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى عَذابِ القَبْرِ، وإنَّما قالَ: ﴿ثُمَّ﴾ لِأنَّ بَيْنَ العالَمَيْنِ والحَياتَيْنِ مَوْتًا.
﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ جَوابَ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ، وأنَّهُ لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابَ ”لَوْ“ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ ما كانَ جَوابَ ”لَوْ“ فَنَفْيُهُ إثْباتٌ، وإثْباتُهُ نَفْيٌ، فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابًا لِـ ”لَوْ“ لَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَإنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ واقِعَةٌ قَطْعًا، فَإنْ قِيلَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الرُّؤْيَةِ رُؤْيَتُها بِالقَلْبِ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ غَيْرُ واقِعَةٍ قُلْنا: تَرْكُ الظّاهِرِ خِلافُ الأصْلِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ سَيَقَعُ قَطْعًا، فَعَطْفُهُ عَلى ما لا يُوجَدُ ولا يَقَعُ