< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah101
Al-Qaari'a (101)
The Calamity, makkah, 11 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الفَرْقُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ.
وثانِيها: أنَّ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى العِلْمِ بِهِ إلّا بِإخْبارِ اللَّهِ وبَيانِهِ: لِأنَّهُ بَحْثٌ عَنْ وُقُوعِ الوَقَعاتِ لا عَنْ وُجُوبِ الواجِباتِ، فَلا يَكُونُ إلى مَعْرِفَتِهِ دَلِيلٌ إلّا بِالسَّمْعِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾﴿ما الحاقَّةُ﴾﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾[الحاقة: ١- ٣] ثُمَّ قالَ المُحَقِّقُونَ: قَوْلُهُ: ﴿القارِعَةُ﴾﴿ما القارِعَةُ﴾ أشَدُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾﴿ما الحاقَّةُ﴾ لِأنَّ النّازِلَ آخِرًا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أبْلَغَ: لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ زِيادَةُ التَّنْبِيهِ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ لا تَحْصُلُ إلّا إذا كانَتْ أقْوى، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى المَعْنى، فالحاقَّةُ أشَدُّ لِكَوْنِهِ راجِعًا إلى مَعْنى العَدْلِ، والقارِعَةُ أشَدُّ لِما أنَّها تَهْجُمُ عَلى القُلُوبِ بِالأمْرِ الهائِلِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾
قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الظَّرْفُ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ القارِعَةُ، أيْ تَقْرَعُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَذا.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: كَوْنُ النّاسِ فِيهِ: ﴿كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الفَراشُ هو الحَيَوانُ الَّذِي يَتَهافَتُ في النّارِ، وسُمِّيَ فَراشًا لِتَفَرُّشِهِ وانْتِشارِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَبَّهَ الخَلْقَ وقْتَ البَعْثِ هَهُنا بِالفَراشِ المَبْثُوثِ، وفي آيَةٍ أُخْرى بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ. أمّا وجْهُ التَّشْبِيهِ بِالفَراشِ، فَلِأنَّ الفَراشَ
صفحة ٦٩
إذا ثارَ لَمْ يَتَّجِهْ لِجِهَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تَذْهَبُ إلى غَيْرِ جِهَةِ الأُخْرى، يَدُلُّ هَذا عَلى أنَّهم إذا بُعِثُوا فَزِعُوا، واخْتَلَفُوا في المَقاصِدِ عَلى جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ، والمَبْثُوثُ المُفَرَّقُ، يُقالُ: بَثَّهُ إذا فَرَّقَهُ. وأمّا وجْهُ التَّشْبِيهِ بِالجَرادِ فَهو في الكَثْرَةِ. قالَ الفَرّاءُ: كَغَوْغاءِ الجَرادِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وبِالجُمْلَةِ فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى شَبَّهَ النّاسَ في وقْتِ البَعْثِ بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، وبِالفَراشِ المَبْثُوثِ، لِأنَّهم لَمّا بُعِثُوا يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ كالجَرادِ والفَراشِ، ويُؤَكِّدُ ما ذَكَرْنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾[النبأ: ١٨] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾[المطففين: ٦] وقَوْلِهِ في قِصَّةِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾[الكهف: ٩٩] فَإنْ قِيلَ: الجَرادُ بِالنِّسْبَةِ إلى الفَراشِ كِبارٌ، فَكَيْفَ شَبَّهَ الشَّيْءَ الواحِدَ بِالصَّغِيرِ والكَبِيرِ مَعًا ؟ قُلْنا: شَبَّهَ الواحِدَ بِالصَّغِيرِ والكَبِيرِ لَكِنْ في وصْفَيْنِ. أمّا التَّشْبِيهُ بِالفَراشِ فَبِذَهابِ كُلِّ واحِدَةٍ إلى غَيْرِ جِهَةِ الأُخْرى. وأمّا بِالجَرادِ فَبِالكَثْرَةِ والتَّتابُعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّها تَكُونُ كِبارًا أوَّلًا كالجَرادِ، ثُمَّ تَصِيرُ صِغارًا كالفَراشِ بِسَبَبِ احْتِراقِهِمْ بِحَرِّ الشَّمْسِ، وذَكَرُوا في التَّشْبِيهِ بِالفَراشِ وُجُوهًا أُخْرى:أحَدُها: ما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: «النّاسُ عالِمٌ ومُتَعَلِّمٌ، وسائِرُ النّاسِ هَمَجٌ رَعاعٌ» فَجَعَلَهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ كَذَلِكَ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾[ النَّبَأِ: ٢٦]
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى إنَّما أدْخَلَ حَرْفَ التَّشْبِيهِ، فَقالَ: ﴿كالفَراشِ﴾ لِأنَّهم يَكُونُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أذَلَّ مِنَ الفَراشِ، لِأنَّ الفَراشَ لا يُعَذَّبُ، وهَؤُلاءِ يُعَذَّبُونَ، ونَظِيرُهُ: ﴿كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ . [الأعراف: ١٧٩]
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: مِن صِفاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ العِهْنُ الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ والنَّفْشُ فَكُّ الصُّوفِ حَتّى يَنْتَفِشَ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”كالصُّوفِ المَنفُوشِ“ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّ الجِبالَ مُخْتَلِفَةُ الألْوانِ عَلى ما قالَ: ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾[فاطر: ٢٧] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ يُفَرِّقُ أجْزاءَها ويُزِيلُ التَّأْلِيفَ والتَّرْكِيبَ عَنْها فَيَصِيرُ ذَلِكَ مُشابِهًا لِلصُّوفِ المُلَوَّنِ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ إذا جُعِلَ مَنفُوشًا، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما ضَمَّ بَيْنَ حالِ النّاسِ وبَيْنَ حالِ الجِبالِ، كَأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّ تَأْثِيرَ تِلْكَ القَرْعَةِ في الجِبالِ