< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah010
Yunus (10)
Jonas, makkah, 109 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
المَوْتِ في أنْ تَتَجَلّى فِيها مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، ويَكْمُلُ إشْراقُها ويَقْوى لَمَعانُها، وذَلِكَ هو الرُّؤْيَةُ، وهي مَن أعْظَمِ السَّعاداتِ. فَمَن كانَ غافِلًا عَنْ طَلَبِها مُعْرِضًا عَنْها مُكْتَفِيًا بَعْدَ المَوْتِ بِوُجْدانِ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ كانَ مِنَ الضّالِّينَ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ مِن صِفاتِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الصِّفَةَ الأُولى إشارَةٌ إلى خُلُوِّ قَلْبِهِ عَنْ طَلَبِ اللَّذّاتِ الرُّوحانِيَّةِ، وفَراغِهِ عَنْ طَلَبِ السَّعاداتِ الحاصِلَةِ بِالمَعارِفِ الرَّبّانِيَّةِ، وأمّا هَذِهِ الصِّفَةُ الثّانِيَةُ فَهي إشارَةٌ إلى اسْتِغْراقِهِ في طَلَبِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ واكْتِفائِهِ بِها، واسْتِغْراقِهِ في طَلَبِها.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: صِفَةُ السُّعَداءِ أنْ يَحْصُلَ لَهم عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ والخَوْفِ كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾[الأنفال: ٢] ثُمَّ إذا قَوِيَتْ هَذِهِ الحالَةُ حَصَلَتِ الطُّمَأْنِينَةُ في ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾[الرعد: ٢٨] وصِفَةُ الأشْقِياءِ أنْ تَحْصُلَ لَهُمُ الطُّمَأْنِينَةُ في حُبِّ الدُّنْيا، وفي الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ لَذّاتِها كَما قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾
صفحة ٣٣
فَحَقِيقَةُ الطُّمَأْنِينَةِ أنْ يَزُولَ عَنْ قُلُوبِهِمُ الوَجَلُ، فَإذا سَمِعُوا الإنْذارَ والتَّخْوِيفَ لَمْ تَوْجَلْ قُلُوبُهم وصارَتْ كالمَيِّتَةِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى.المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مُقْتَضى اللُّغَةِ أنْ يُقالَ: واطْمَأنُّوا إلَيْها، إلّا أنَّ حُرُوفَ الجَرِّ يَحْسُنُ إقامَةُ بَعْضِها مَقامَ البَعْضِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ .
والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهم صارُوا في الإعْراضِ عَنْ طَلَبِ لِقاءِ اللَّهَ تَعالى بِمَنزِلَةِ الغافِلِ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَخْطُرُ بِبالِهِ طُولَ عُمُرِهِ ذِكْرُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الصِّفاتُ الأرْبَعَةُ دالَّةٌ عَلى شِدَّةِ بُعْدِهِ عَنْ طَلَبِ الِاسْتِسْعادِ بِالسَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ الرُّوحانِيَّةِ، وعَلى شِدَّةِ اسْتِغْراقِهِ في طَلَبِ هَذِهِ الخَيْراتِ الجُسْمانِيَّةِ والسَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: النِّيرانُ عَلى أقْسامٍ: النّارُ الَّتِي هي جِسْمٌ مَحْسُوسٌ مُضِيءٌ مُحْرِقٌ صاعِدًا بِالطَّبْعِ، والإقْرارُ بِهِ واجِبٌ، لِأجْلِ أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ أنَّ الإقْرارَ بِالجَنَّةِ والنّارِ حَقٌّ.
القِسْمُ الثّانِي: النّارُ الرُّوحانِيَّةُ العَقْلِيَّةُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ مَن أحَبَّ شَيْئًا حُبًّا شَدِيدًا، ثُمَّ ضاعَ عَنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُ الوُصُولُ إلَيْهِ، فَإنَّهُ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ وباطِنُهُ، وكُلُّ عاقِلٍ يَقُولُ: إنَّ فُلانًا مُحْتَرِقُ القَلْبِ مُحْتَرِقُ الباطِنِ بِسَبَبِ فِراقِ ذَلِكَ المَحْبُوبِ. وألَمُ هَذِهِ النّارِ أقْوى بِكَثِيرٍ مِن ألَمِ النّارِ المَحْسُوسَةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الأرْواحَ الَّتِي كانَتْ مُسْتَغْرِقَةً في حُبِّ الجُسْمانِيّاتِ وكانَتْ غافِلَةً عَنْ حُبِّ عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، فَإذا ماتَ ذَلِكَ الإنْسانُ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بَيْنَ ذَلِكَ الرُّوحِ وبَيْنَ مَعْشُوقاتِهِ ومَحْبُوباتِهِ، وهي أحْوالُ هَذا العالَمِ، ولَيْسَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِذَلِكَ العالَمِ ولا إلْفٌ مَعَ أهْلِ ذَلِكَ العالَمِ، فَيَكُونُ مِثالُهُ مِثالَ مَن أُخْرِجَ مِن مُجالَسَةِ مَعْشُوقِهِ وأُلْقِيَ في بِئْرٍ ظَلْمانِيَّةٍ لا إلْفَ لَهُ بِها، ولا مَعْرِفَةَ لَهُ بِأحْوالِها، فَهَذا الإنْسانُ يَكُونُ في غايَةِ الوَحْشَةِ وتَألُّمِ الرُّوحِ، فَكَذا هُنا، أمّا لَوْ كانَ نافِرًا عَنْ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ عارِفًا بِمَقابِحِها ومَعايِبِها، وكانَ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ في اعْتِلاقِ العُرْوَةِ الوُثْقى، عَظِيمَ الحُبِّ لِلَّهِ، كانَ مِثالُهُ مِثالَ مَن كانَ مَحْبُوسًا في سِجْنٍ مُظْلِمٍ عَفِنٍ مَمْلُوءٍ مِنَ الحَشَراتِ المُؤْذِيَةِ والآفاتِ المُهْلِكَةِ، ثُمَّ اتَّفَقَ أنْ فُتِحَ بابُ السِّجْنِ وأُخْرِجَ مِنهُ وأُحْضِرَ في مَجْلِسِ السُّلْطانِ الأعْظَمِ مَعَ الأحْبابِ والأصْدِقاءِ، كَما قالَ تَعالى ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ