< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


المعتزلة، وإنما نعارضه في الظاهر من فحوى الآية، على أنه لم يذكر وجها في الرد على من قال: إن الضمير لله تعالى، وإنما اقتصر على الدعوى مقرونة بسفاهته على أهل السنة، فنقول: لا مراء في احتمال عود الضمير إلى الله تعالى وإلى ذى النفس، لكن عوده إلى الله تعالى أولى لوجهين، أحدهما: أن الجمل سيقت سياقة واحدة من قوله وَالسَّماءِ وَما بَناها وهلم جرا، والضمائر فيما تقدم هذين الفعلين عائدة إلى الله تعالى بالاتفاق، ولم يجر لغير الله تعالى ذكر. وإن قيل بعود الضمير إلى غيره: فإنما يتمحل لجوازه بدلالة الكلام ضمنا واستلزاما، لا ذكرا ونطقا، وما جرى ذكره أولى أن يعود الضمير عليه. الثاني: أن الفعل المستعمل في الآية التي استدل بها في قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى «تفعل» ، ولا شك أن «تفعل» مطاوع «فعل» فهذا بأن يدل لنا، أولى من أن يدل له، لأن الكلام عندنا نحن: قد أفلح من زكاه الله فتزكى، وعنده الفاعل في الاثنين واحد، أضاف إليه الفعلين المختلفين، ويحتاج في تصحيح الكلام إلى تعديد اعتبار وجهه، ونحن عنه في غنية، على أنا لا نأبى أن تضاف التزكية والتدسية إلى العبد، على طريقة أنه الفاعل، كما يضاف إليه الصلاة والصيام وغير ذلك من أفعال الطاعات، لأن له عندنا اختيارا وقدرة مقارنة، وإن منعنا البرهان العقلي الدال على وحدانية الله تعالى ونفى الشريك أن نجعل قدرة العبد مؤثرة خالقة، فهذا جوابنا على الآية تنزلا، وإلا فلم يذكر وجها من الرد، فيلزمنا الجواب عنه، وأما جوابنا عن سفاهته على أهل السنة، فالسكوت، والله الموفق.]] بدليل قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها فجعله فاعل التزكية [[قوله «فجعله فاعل التزكية» مبنى على مذهب المعتزلة: من أن العبد هو الفاعل لأفعاله الاختيارية. وذهب أهل السنة إلى أن الفاعل لها في الحقيقة هو الله تعالى، كما تقرر في علم التوحيد. (ع)]] والتدسية ومتوليهما والتزكية: الإنماء والإعلاء بالتقوى. والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور. وأصل دسى: دسس، كما قيل في تقضض: تقضى. وسئل ابن عباس عنه فقال: أتقرأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً. وأما قول من زعم أنّ الضمير في زكى ودسى لله تعالى، وأنّ تأنيث الراجع إلى من، لأنه في معنى النفس: فمن تعكيس القدرية الذين يورّكون [[قوله «الذين يوركون على الله قدرا» في الصحاح: ورك فلان ذنبه على غيره، إذا قرفه به اه، أى:

اتهمه. ومراده بالقدرية: أهل السنة، حيث قالوا: كل ما وقع في الكون هو بقضائه تعالى وقدره خيرا كان أو شرا، ويخلقه تعالى وإرادته، قبيحا كان أو حسنا، من أفعال العباد أو من غيرها، كما تقرر في التوحيد. (ع)]] على الله قدرا هو بريء منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم في تمحل فاحشة ينسبونها إليه. فإن قلت: فأين جواب القسم؟ قلت: هو محذوف تقديره: ليدمدمنّ الله عليهم، أى: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ، كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحا. وأما قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها فكلام تابع لقوله فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء.

الباء في بِطَغْواها مثلها في: كتبت بالقلم. والطغوى من الطغيان: فصلوا بين الاسم والصفة في فعلى من بنات الياء، بأن قلبوا الياء واوا في الاسم، وتركوا القلب في الصفة، فقالوا:

امرأة خزيي وصديى، يعنى: فعلت التكذيب بطغيانها، كما تقول: ظلمني