< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


بمعنى: أن ما كان يجب أن يكون سبب إيمانهم جعلوه سببا لكفرهم. إِنْ يَثْقَفُوكُمْ إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً خالصي العداوة، ولا يكونوا لكم أولياء كما أنتم وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ بالقتال والشتم، وتمنوا لو ترتدون عن دينكم، فإذن مودة أمثالهم ومناصحتهم خطأ عظيم منكم ومغالطة لأنفسكم ونحوه قوله تعالى لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا فإن قلت: كيف أورد جواب الشرط مضارعا مثله ثم قال وَوَدُّوا بلفظ الماضي؟ قلت: الماضي وإن كان يجرى في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب، فإن فيه نكتة، كأنه قيل: وودّوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم، يعنى:

أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعا: من قتل الأنفس، وتمزيق الأعراض، وردّكم كفارا، وردكم كفارا أسبق المضارّ عندهم وأوّلها، لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم، لأنكم بذّالون لها دونه، والعدوّ أهم شيء عنده أن يقصد أعز شيء عند صاحبه.

لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ أى قراباتكم وَلا أَوْلادُكُمْ الذي توالون الكفار من أجلهم وتتقربون إليهم محاماة عليهم، ثم قال يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وبين أقاربكم وأولادكم يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ... الآية فما لكم ترفضون حق الله مراعاة لحق من يفرّ منكم غدا:

خطأ رأيهم في موالاة الكفار بما يرجع إلى حال من والوه أوّلا، ثم بما يرجع إلى حال من اقتضى تلك الموالاة ثانيا، ليربهم أن ما أقدموا عليه من أى جهة نظرت فيه وجدته باطلا.

قرئ: يفصل ويفصّل، على البناء للمفعول. ويفصل ويفصّل، على البناء للفاعل وهو الله عزّ وجل. ونفصل ونفصل، بالنون.

وقرئ. أسوة وإسوة. وهو اسم المؤتسى به، أى كان فيهم مذهب حسن مرضى بأن يؤتسى به ويتبع أثره، وهو قولهم لكفار قومهم ما قالوا، حيث كاشفوهم بالعداوة وقشروا لهم العصا، وأظهروا البغضاء والمقت، وصرحوا بأن سبب عداوتهم وبغضائهم ليس إلا كفرهم بالله، وما دام هذا السبب قائما كانت العداوة قائمة، حتى إن أزالوه وآمنوا بالله وحده انقلبت العداوة موالاة، والبغضاء محبة، والمقت مقة [[قوله «والمقت مقة» أى: محبة. (ع)]] ، فأفصحوا عن محض الإخلاص. ومعنى كَفَرْنا بِكُمْ وبما تعبدون من دون الله: أنا لا نعتدّ بشأنكم ولا بشأن آلهتكم، وما أنتم عندنا على شيء.

فإن قلت: مم استثنى قوله إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ؟ قلت: من قوله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لأنه أراد بالأسوة الحسنة: قولهم الذي حق عليهم أن يأتسوا به ويتخذونه سنة يستنون بها. فإن قلت:

فإن كان قوله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مستثنى من القول الذي هو أسوة حسنة، فما بال قوله وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ وهو غير حقيق بالاستثناء. ألا ترى إلى قوله قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً؟ قلت: أراد استثناء جملة قوله لأبيه، والقصد إلى موعد الاستغفار له، وما بعده مبنىّ عليه وتابع له، كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار. فإن قلت: بم اتصل قوله رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا؟ قلت: بما قبل الاستثناء، وهو من جملة الأسوة الحسنة. ويجوز أن يكون المعنى: قولوا ربنا، أمرا من الله تعالى للمؤمنين بأن يقولوه، وتعليما منه لهم تتميما لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار، والائتساء بإبراهيم وقومه في البراءة منهم، وتنبيها على الإنابة إلى الله والاستعاذة به من فتنة أهل الكفر، والاستغفار مما فرط منهم. وقرئ: برآء كشركاء، وبراء كظراف. وبراء على إبدال الضم من الكسر، كرخال ورباب. وبراء [[قوله «كرخال