< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


على ما علم منكم وعلم منه. فإن قلت:

كيف طابق قوله إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً هذا المعنى؟ قلت: لما كان ما تقدّمه في معنى الوعيد عقبه بما يدل على القدرة عليه، لأنه لا يوصف بالمغفرة والرحمة إلا القادر على العقوبة. أو هو تنبيه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبّا، ولكن صرف ذلك عنهم إنه غفور رحيم: يمهل ولا يعاجل.

وقعت اللام في المصحف مفصولة عن هذا خارجة عن أوضاع الخط العربي. وخط المصحف سنة لا تغير. وفي هذا استهانة وتصغير لشأنه وتسميته بالرسول سخرية منهم وطنز [[قوله «وطنز» في الصحاح «الطنز» : السخرية. (ع)]] ، كأنهم قالوا: ما لهذا الزاعم أنه رسول. ونحوه قول فرعون (إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون) أى: إنّ صحّ أنه رسول الله فما باله حاله مثل حالنا يَأْكُلُ الطَّعامَ كما نأكل، ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد، يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش. ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكا إلى. اقتراح أن يكون إنسانا معه ملك، حتى يتساندا في الإنذار والتخويف. ثم نزلوا أيضا فقالوا: وإن لم يكن مرفودا بملك، فليكن مرفودا بكنز يلقى إليه من السماء يستظهر به ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش. ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلا له بستان يأكل منه ويرتزق كما الدهاقين والمياسير. أو يأكلون هم من ذلك البستان فينتفعون به في دنياهم ومعاشهم. وأراد بالظالمين: إياهم بأعيانهم: وضع الظاهر موضع المضمر ليسجل عليهم بالظلم فيما قالوا. وقرئ: فيكون، بالرفع. أو يكون له جنة، بالياء، ونأكل، بالنون. فإن قلت: ما وجها الرفع والنصب في فيكون؟ قلت: النصب لأنه جواب «لولا» بمعنى «هلا» وحكمه حكم الاستفهام. والرفع على أنه معطوف على أنزل، ومحله الرفع. ألا تراك تقول: لولا ينزل بالرفع، وقد عطف عليه: يلقى، وتكون مرفوعين، ولا يجوز النصب فيهما لأنهما في حكم الواقع بعد لولا، ولا يكون إلا مرفوعا. والقائلون هم كفار قريش النضر بن الحرث، وعبد الله بن أبى أمية، ونوفل بن خويلد ومن ضامهم مَسْحُوراً سحر فغلب على عقله. أو ذا سحر، وهو الرئة: عنوا أنه بشر لا ملك.

ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ أى: قالوا فيك تلك الأقوال واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال النادرة، من نبوّة مشتركة بين إنسان وملك. وإلقاء كنز عليك من السماء وغير ذلك، فبقوا متحيرين ضلالا، لا يجدون قولا يستقرّون عليه. أو فضلوا عن الحق فلا يجدون طريقا إليه.

تكاثر خير الَّذِي إِنْ شاءَ وهب لك في الدنيا خَيْراً مما قالوا، وهو أن يعجل لك مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات والقصور. وقرئ: ويجعل، بالرفع عطفا على جعل: لأن الشرط إذا وقع ماضيا، جاز في جزائه الجزم والرفع، كقوله:

وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالى ولا حرم [[تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة 537 فراجعه إن شئت اه مصححه.]]

ويجوز في (ويجعل لك) إذا أدغمت: أن تكون اللام في تقدير الجزم والرفع جميعا. وقرئ بالنصب، على أنه جواب الشرط بالواو.

بَلْ كَذَّبُوا عطف على ما حكى عنهم. يقول: بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة. ويجوز أن يتصل بما يليه، كأنه قال: بل كذبوا بالساعة، فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب، وكيف يصدقون بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة وهم لا يؤمنون بالآخرة. السعير:

النار الشديدة الاستعار.