< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الله قد أحل لكم الأنعام كلها إلا ما استثناه في كتابه، فحافظوا على حدوده، وإياكم أن تحرموا مما أحل شيئا، كتحريم عبدة الأوثان البحيرة والسائبة وغير ذلك، وأن تحلوا مما حرم الله، كاحلالهم أكل الموقوذة والميتة وغير ذلك.

لما حث على تعظيم حرماته وأحمد من يعظمها [[قوله «وأحمد من يعظمها» في الصحاح «أحمدته» : وجدته محمودا موافقا مرضيا. (ع)]] أتبعه الأمر باجتناب الأوثان وقول الزور، لأن توحيد الله ونفى الشركاء عنه وصدق القول أعظم الحرمات وأسبقها خطوا. وجمع الشرك وقول الزور في قران واحد، وذلك أنّ الشرك من باب الزور لأنّ المشرك زاعم أنّ الوثن تحق له العبادة، فكأنه قال: فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور واجتنبوا قول الزور كله لا تقربوا شيئا منه لتماديه في القبح والسماجة. وما ظنك بشيء من قبيله عبادة الأوثان. وسمى الأوثان رجسا وكذلك الخمر والميسر والأزلام، على طريق التشبيه. يعنى: أنكم كما تنفرون بطباعكم عن الرجس وتجتنبونه، فعليكم أن تنفروا عن هذه الأشياء مثل تلك النفرة. ونبه على هذا المعنى بقوله رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ جعل العلة في اجتنابه أنه رجس، والرجس مجتنب مِنَ الْأَوْثانِ بيان للرجس وتمييز له، كقولك: عندي عشرون من الدراهم، لأنّ الرجس مبهم يتناول غير شيء، كأنه قيل: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. والزور من الزور والازورار وهو الانحراف، كما أنّ الإفك من أفكه إذا صرفه. وقيل قَوْلَ الزُّورِ قولهم: هذا حلال وهذا حرام، وما أشبه ذلك من افترائهم. وقيل: شهادة الزور. عن النبي ﷺ أنه صلى الصبح فلما سلم قام قائما واستقبل الناس بوجهه وقال «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله، عدلت شهادة الزور الإشراك بالله، عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» [[أخرجه أبو داود وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة من رواية سفيان بن زياد العصفري عن أبيه عن حبيب ابن النعمان عن حريم بن فاتك. وأخرجه الترمذي من رواية العصفري عن فاتك بن فضالة عن أنس بن حريم كذا قال.]] وتلا هذه الاية.

وقيل: الكذب والبهتان. وقيل: قول أهل الجاهلية في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق، فإن كان تشبيها مركبا فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده نهاية، بأن صور حاله بصورة حال من خرّ من السماء فاختطفته الطير، فتفرق مزعا [[قوله «مزعا» مفرده «مزعة» بالضم. أى: قطعة لحم كما في الصحاح. (ع)]] في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح [[قوله «والمطاوح» أى المقاذف. وطاح يطوح ويطيح: هلك وسقط. وطوحته الطوائح: قذفته القواذف، كذا في الصحاح أيضا. (ع)]] البعيدة. وإن كان مفرقا فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء، والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوّح به في وادى الضلالة بالريح التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوى المتلفة [[قال محمود: «ويجوز في هذا التشبيه أن يكون مركبا ومفرقا، فان كان مركبا فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده نهاية، بأن صور حاله بصورة من خر من السماء فاختطفته الطير فصيرته مزعا في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة، وإن كان مفرقا فقد شبه الايمان في علوه بالسماء والذي ترك الايمان وأشرك بالله