< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وكانت غيره، وكانت صورة كل خلق بعض أجزائه، كان معلوما أنه إذا قيل: أعطى الإنسان صورته إنما يعني أنه أعطى بعض المعاني التي به مع غيره دعي إنسانا. وإن كان هذا الذي اختاره الطبري رحمه الله لا ينفي إرادة بعض المعاني الأخرى التي تدل عليها الآية كما في قول الضحاك. والله أعلم.]] .

﴿قَالَ﴾ فِرْعَوْنُ: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ وَمَعْنَى "الْبَالِ": الْحَالُ، أَيْ: مَا حَالُ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ فِيمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [[في "ب" تدعواني إليه.]] فَإِنَّهَا كَانَتْ تَعْبُدُ الْأَوْثَانَ وَتُنْكِرُ الْبَعْثَ؟ .

﴿قَالَ﴾ مُوسَى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ أَيْ: أَعْمَالُهُمْ مَحْفُوظَةٌ عِنْدَ اللَّهِ يُجَازِي بِهَا.

وَقِيلَ: إِنَّمَا رَدَّ مُوسَى عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ، فَإِنَّ التَّوْرَاةَ أُنْزِلَتْ بَعْدَ هَلَاكِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ.

﴿فِي كِتَابٍ﴾ يَعْنِي: فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ أَيْ: لَا +يُخْطِئُ. وَقِيلَ: لَا يَضِلُّ [[في "ب": لا يغيب.]] عَنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَغِيبُ عَنْ شَيْءٍ، ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ [أي: لا يخطيء] [[ساقط من "أ".]] مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ حَتَّى يُجَازِيَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ. وَقِيلَ: لَا يَنْسَى أَيْ: لَا يَتْرُكُ، فَيَنْتَقِمُ مِنَ الْكَافِرِ وَيُجَازِي الْمُؤْمِنَ.

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: ﴿مَهْدًا﴾ هَا هُنَا، وَفِي الزُّخْرُفِ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا، أَيْ: فَرْشًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: "مِهَادًا "، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ (النَّبإِ: ١٦) ، أَيْ: فِرَاشًا وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُفْرَشُ، كَالْبِسَاطِ: اسْمٌ لِمَا يُبْسَطُ.

﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ [السَّلْكُ: إِدْخَالُ الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ، وَالْمَعْنَى: أَدْخَلَ فِي الْأَرْضِ لِأَجْلِكُمْ طُرُقًا تَسْلُكُونَهَا] [[ما بين القوسين ساقط من "أ".]] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَهَّلَ لَكُمْ فِيهَا طُرُقًا تَسْلُكُونَهَا.

﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يَعْنِي: الْمَطَرَ.

تَمَّ الْإِخْبَارُ عَنْ مُوسَى، ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ بِذَلِكَ الْمَاءِ ﴿أَزْوَاجًا﴾ أَصْنَافًا، ﴿مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ مُخْتَلِفِ الْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالْمَنَافِعِ مِنْ بَيْنِ أَبْيَضَ وَأَحْمَرَ وَأَخْضَرَ وَأَصْفَرَ، فَكُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا زَوْجٌ، فَمِنْهَا لِلنَّاسِ وَمِنْهَا لِلدَّوَابِّ.

﴿كُلُوا وَارْعَوْا﴾ [أَيْ وَارْتَعُوا] [[ساقط من "أ".]] ﴿أَنْعَامَكُمْ﴾ تَقُولُ الْعَرَبُ: رَعَيْتُ الْغَنَمَ فَرَعَتْ، أَيْ: أَسِيمُوا أَنْعَامَكُمْ تَرْعَى.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذَكَرْتُ، ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ لِذَوِي الْعُقُولِ، وَاحِدَتُهَا: "نُهْيَةٌ سُمِّيَتْ نُهْيَةً لِأَنَّهَا تَنْهَى صَاحِبَهَا عَنِ الْقَبَائِحِ وَالْمَعَاصِي.

قَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾ الَّذِينَ يَنْتَهُونَ عَمَّا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ.

قَالَ قَتَادَةُ: لِذَوِي الْوَرَعِ.

﴿مِنْهَا﴾ أَيْ مِنَ الْأَرْضِ، ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ يَعْنِي أَبَاكُمْ آدم.

وقال ١٢/ب عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ [[أخرجه عبد بن حميد، وابن المنذر. انظر: الدر المنثور: ٥ / ٥٨٤. قال الشيخ الشنقيطي في "أضواء البيان": (٥ / ٥٢٤) وهذا القول خلاف التحقيق، لأن القرآن يدل على أن مرحلة النطفة بعد مرحلة التراب بمهلة؛ فهي غير مقارنة لها، بدليل الترتيب بينهما بـ "ثم" في قوله تعالى: "يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة".]] إِنَّ الْمَلَكَ يَنْطَلِقُ فَيَأْخُذُ مِنْ تُرَابِ الْمَكَانِ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ فَيَذَرُهُ عَلَى النُّطْفَةِ فَيَخْلُقُ اللَّهُ مِنَ التُّرَابِ وَمِنَ النُّطْفَةِ [[قال الطبري: (١٦ / ١٧٥) : من الأرض خلقناكم أيها الناس، فأنشأناكم أجساما ناطقة، وفي الأرض نعيدكم بعد مماتكم فنصيركم ترابا، كما كنتم قبل إنشائنا لكم، بشرا سويا.]] فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ أَيْ: عِنْدَ الْمَوْتِ وَالدَّفْنِ، ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ يَوْمَ الْبَعْثِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ، ﴿آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ يَعْنِي: الْآيَاتِ التِّسْعَ الَّتِي أَعْطَاهَا اللَّهُ مُوسَى، ﴿فَكَذَّبَ﴾ بِهَا وَزَعَمَ أَنَّهَا سِحْرٌ، ﴿وَأَبَى﴾ أَنْ يُسْلِمَ.

﴿قَالَ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ