< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


روح العبد المؤمن عرج به إلى السماء، فتنطلق معه المقرّبون إلى السماء الثانية، قال الأجلح: قلت: وما المقرّبون؟ قال: أقربهم إلى السماء الثانية، فتنطلق معه المقرّبون إلى السماء الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، حتى تنتهي به إلى سِدْرَة المنتهى. قال الأجلح: قلت للضحاك: لِمَ تُسمَّى سِدْرَة المنتهى؟ قال: لأنه يَنْتَهِي إليها كلّ شيء من أمر الله، لا يعدوها، فتقول: ربّ عبدك فلان، وهو أعلم به منهم، فيبعث الله إليهم بصَكّ مختوم يؤمِّنه من العذاب، فذلك قول الله:﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ .

وقال آخرون: بل عُنِي بالعِلِّيِّينَ: في السماء عند الله.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ يقول: أعمالُهُم في كتاب عند الله في السماء.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن كتاب الأبرار في عليين؛ والعليون: جمع معناه: شيء فوق شيء، وعلوّ فوق علوّ، وارتفاع بعد ارتفاع، فلذلك جُمعت بالياء والنون، كجمع الرجال، إذا لم يكن له بناء من واحده واثنيه، كما حُكِيَ عن بعض العرب سماعًا أطْعَمَنَا مَرَقَةَ مَرَقَيْنِ: يعني اللحم المطبوخ [[جواب " لو كان علم. . . وكان عقل ".]] كما قال الشاعر:

قَدْ رَوَيَتْ إلا الدُّهَيْدِهِينَا ... قَلَيُّصَاتٍ وَأُبَيْكِرِينَا [[ديوان الهذليين ٢: ١٠١. في المطبوعة: "جلدة" وهو خطأ وقوله "جدة" يعني شبابه الجديد. والجدة: نقيض البلى. والتراب الأعفر: الأبيض، قل أن يطأه الناس لجدبه. وخالد: صديق له من قومه، يرثيه.]]

فقال: وأبيكرينا، فجمعها بالنون إذ لم يقصد عددًا معلومًا من البكارة، بل أراد عددًا لا يحدّ آخره، وكما قال الآخر:

فَأَصْبَحَتِ المَذَاهِبُ قَدْ أذَاعَتْ ... بِهَا الإعْصَارُ بَعْدَ الْوَابِلينَا [[القسم الثاني من ديوانه: ٤٦، وقال ابن سلام في طبقات فحول الشعراء: ص ٥٠ وذكر البيت وبيتًا معه، أنهما قد رويا عن الشعبي (ابن سعد ٦: ١٧٨) ، وهما يحملان على لبيد، ثم قال: "ولا اختلاف في أن هذا مصنوع تكثر به الأحاديث، ويستعان به على السهر عند الملوك والملوك لا تستقصي". أجهش بالبكاء: تهيأ له وخنقه بكاؤه.]]

يعني: مطرًا بعد مطر غير محدود العدد، وكذلك تفعل العرب في كلّ جمع لم يكن بناء له من واحده واثنيه، فجمعه في جميع الإناث والذكران بالنون على ما قد بيَّنا، ومن ذلك قولهم للرجال والنساء: عشرون وثلاثون. فإذا كان ذلك كالذي ذكرنا، فبين أنّ قوله: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ معناه: في علوّ وارتفاع في سماء فوق سماء، وعلوّ فوق علوّ وجائز أن يكون ذلك إلى السماء السابعة، وإلى سدرة المنتهى، وإلى قائمة العرش، ولا خبر يقطع العذر بأنه معنيّ به بعض ذلك دون بعض.

والصواب أن يقال في ذلك، كما قال جلّ ثناؤه: إن كتاب أعمال الأبرار لفي ارتفاع إلى حدّ قد علم الله جلّ وعزّ منتهاه، ولا علم عندنا بغايته، غير أن ذلك لا يقصر عن السماء السابعة، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.

* *

وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، مُعَجِّبه من عليين: وأيّ شيء أشعرك يا محمد ما عليون.

* *

وقوله: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾

يقول جلّ ثناؤه: إن كتاب الأبرار لفي عليين، ﴿كتاب مرقوم﴾: أي مكتوب