< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


بعده إلى آخر السورة، وأنهم يكسرون ذلك غير قوله:﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾ . وأما عاصم فإنه كان يكسر جميعها إلا قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ فإنه كان يفتحها، وأما أبو عمرو، فإنه كان يكسر جميعها إلا قوله: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ فإنه كان يفتح هذه وما بعدها؛ فأما الذين فتحوا جميعها إلا في موضع القول، كقوله: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ ونحو ذلك، فإنهم عطفوا أن في كلّ السورة على قوله: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ وآمنا بكلّ ذلك، ففتحوها بوقوع الإيمان عليها. وكان الفرّاء يقول: لا يمنعنك أن تجد الإيمان يقبح في بعض ذلك من الفتح، وأن الذي يقبح مع ظهور الإيمان قد يحسن فيه فعل مضارع للإيمان، فوجب فتح أنّ كما قالت العرب:

إذَا ما الغَانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا وزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ والعُيُونا [[سبق الاستشهاد بالبيت في الجزء (٢٧: ١٧٦) وشرحناه هناك شرحا مبسوطا، فارجع إليه]]

فنصب العيون لاتباعها الحواجب، وهي لا تزجج، وإنما تكحل، فأضمر لها الكحل، كذلك يضمر في الموضع الذي لا يحسن فيه آمنا صدّقنا وآمنا وشهدنا. قال: وبقول النصب قوله: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ فينبغي لمن كسر أن يحذف "أن" من "لو"؛ لأن "أن" إذا خُففت لم تكن حكاية. ألا ترى أنك تقول: أقول لو فعلت لفعلت، ولا تدخل "أن". وأما الذين كسروها كلهم وهم في ذلك يقولون: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا﴾ فكأنهم أضمروا يمينا مع "لو" وقطعوها عن النسق على أوّل الكلام، فقالوا: والله أن لو استقاموا؛ قال: والعرب تدخل "أن" في هذا الموضع مع اليمين وتحذفها، قال الشاعر:

فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ سِوَاكَ وَلَكِن لَمْ نَجدْ لَكَ مَدْفَعا [[البيت لامرئ القيس، وقد سبق الاستشهاد به في الجزئين (١٢: ١٨، ١٣: ١٥٢) فارجع إليه فيهما، فقد شرحناه مطولا.]]

قالوا: وأنشدنا آخر:

أمَا وَالله أنْ لَوْ كُنْتَ حرًّا ومَا بالْحُرّ أنْتَ وَلا العَتِيقِ [[البيت من شواهد النحويين على "أن" المخففة من الثقيلة قيل: تعمل، وقيل: لا تعمل (الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري طبعة القاهرة ١: ١٢٦ ولم ينسبه) . وقال الفراء في معاني القرآن، واستشهد بالبيت (الورقة ٣٤٤) : والعرب تدخل أن في هذا الموضع مع اليمين، وتحذفها. قال الشاعر: "فأقسم لو شيء.." البيت. وأنشدني آخر: "أما والله أن.." البيت. وقد نقل المؤلف كلام الفراء جميعه في فتح همزة أن وكسرها في آيات سورة الجن، فلا نطول الكلام بنقله، ونكتفي بهذه الإشارة]] وأدخل "أن" من كسرها كلها، ونصب ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ فإنه خصّ، ذلك بالوحي، وجعل ﴿وأنْ لَوْ﴾ مضمرة فيها اليمين على ما وصفت. وأما نافع فإن ما فتح من ذلك فإنه ردّه على قوله: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ وما كسره فإنه جعله من قول الجنّ، وأحبّ ذلك إلي أن أقرأ به الفتح فيما كان وحيا، والكسر فيما كان من قول الجنّ؛ لأن ذلك أفصحها في العربية، وأبينها في المعنى، وأن كان للقراءات الأخر وجوه غير مدفوعة صحتها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) ﴾

يقول عزّ وجلّ مخبرا عن قيل النفر من الجنّ الذين استمعوا القرآن ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ وهو إبليس.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من