< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


واختلفت القرأة أيضًا في قراءة قوله:"إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين".

فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض الكوفيين والبصريين: وَاللَّهِ رَبِّنَا، خفضًا، على أن"الرب" نعت لله.

* *

وقرأ ذلك جماعة من التابعين: ﴿وَاللهِ رَبَّنَا﴾ ، بالنصب، بمعنى: والله يا ربنا. وهي قراءة عامة قرأة أهل الكوفة. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٣٠.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي بالصواب في ذلك، قراءةُ من قرأ: ﴿وَاللهِ رَبَّنَا﴾ ، بنصب"الرب"، بمعنى: يا ربَّنا. وذلك أن هذا جواب من المسئولين المقول لهم:"أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون"؟ وكان من جواب القوم لربهم: والله يا ربنا ما كنا مشركين = فنفوا أن يكونوا قالوا ذلك في الدنيا. يقول الله تعالى ذكره لمحمد ﷺ: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ.

* *

ويعني بقوله:"ما كنا مشركين"، ما كنا ندعو لك شريكًا، ولا ندعو سواك. [[انظر ما سلف رقم: ٩٥٢٠ - ٩٥٢٢ (ج ٨: ٣٧٣، ٣٧٤) .]]

القول في تأويل قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: انظر، يا محمد، فاعلم، كيف كذَب هؤلاء المشركون العادلون بربهم الأوثانَ والأصنامَ، في الآخرة عند لقاء الله = على أنفسهم بقيلهم:"والله يا ربنا ما كنا مشركين"، واستعملوا هنالك الأخلاق التي كانوا بها يتخلّقون في الدنيا، [[في المطبوعة: "بها متخلقين"، وفي المخطوطة: "بها متخلقون"، وهذا صواب قراءتها.]] من الكذب والفرية.

* *

ومعنى"النظر" في هذا الموضع، النظر بالقلب، لا النظر بالبصر. وإنما معناه: تبين فاعلم كيف كذبوا في الآخرة.

* *

وقال:"كذبوا"، ومعناه: يكذبون، لأنه لما كان الخبر قد مضى في الآية قبلها، صار كالشيء الذي قد كانَ ووُجد.

* *

="وضل عنهم ما كانوا يفترون"، يقول: وفارقهم الأنداد والأصنام، وتبرءوا منها، فسلكوا غير سبيلها، لأنها هلكت، [وأعيد الذين كانوا يعبدونها اجتراء] ، [[هكذا جاء في المطبوعة ما وضعته بين القوسين، وهو في المخطوطة: "وعبدوا الذين كانوا يعبدونها إصرا"، غير منقوطة. ولم أهتد إلى الصواب، وأخشى أن يكون سقط من الكلام سطر أو بعضه، فلذلك آثرت أن أضع ما في المطبوعة بين قوسين، ولأني في ريبة من أمره.]] ثم أخذوا بما كانوا يفترونه من قيلهم فيها على الله، وعبادتهم إياها، وإشراكهم إياها في سلطان الله، فضلت عنهم، وعوقب عابدُوها بفريتهم.

* *

وقد بينا فيما مضى أن معنى"الضلال"، الأخذ على غير الهدى. [[انظر تفسير"الضلال" فيما سلف ١٠: ١٢٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

وقد ذكر أن هؤلاء المشركين يقولون هذا القول عند معاينتهم سَعةَ رحمة الله يومئذ.

ذكر الرواية بذلك:

١٣١٤٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عمرو، عن مطرّف، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: أتى رجلٌ ابنَ عباس فقال: سمعت الله يقول:"والله ربنا ما كنا مشركين"، [[في المطبوعة: "أتى رجل ابن عباس فقال، قال الله: والله ربنا. . ."، أما المخطوطة ففيها خرم، كان فيها: "أتى رجل ابن عباس وقال في آية أخرى"، ولذلك تصرف ناشر المطبوعة. والذي أثبته هو الصواب، وهو نص الأثر الذي رواه أبو جعفر قديمًا، كما سيأتي في التخريج. وقد صححت حروفًا في هذا الخبر من الأثر السالف ولم أشر إليها هنا.]] وقال في آية أخرى: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، [سورة النساء: ٤٢] ؟