< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥] . قالوا: فنفى جل ثناؤه عن خلقه أن يكونوا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. قالوا: ومعنى"العلم" في هذا الموضع، المعلوم. قالوا: فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشيء من علمه إلا بما شاء، نَفْيٌ عن أن يعلموه. قالوا: فإذا لم يكن في نفي الإحاطة بالشيء علمًا نَفْيٌ للعلم به، كان كذلك، لم يكن في نفي إدراك الله عن البصر، نفيُ رؤيته له. قالوا: وكما جاز أن يعلم الخلق أشياءَ ولا يحيطون بها علمًا، كذلك جائزٌ أن يروا ربَّهم بأبصارهم ولا يدركوه بأبصارهم، إذ كان معنى"الرؤية" غير معنى"الإدراك"، ومعنى"الإدراك" غير معنى"الرؤية"، وأن معنى"الإدراك"، إنما هو الإحاطة، كما قال ابن عباس في الخبر الذي ذكرناه قبل.

قالوا: فإن قال لنا قائل: وما أنكرتم أن يكون معنى قوله:"لا تدركه الأبصار"، لا تراه الأبصار؟

قلنا له: أنكرنا ذلك، لأن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه أن وجوهًا في القيامة إليه ناظرة، [[يعني آيتي سورة القيامة: ٢٢، ٢٣.]] وأن رسول الله ﷺ أخبر أمته أنهم سيرون ربهم يوم القيامة، كما يُرَى القمر ليلة البدر، وكما ترونَ الشمس ليسَ دونها سحاب. [[في المخطوطة، أسقط ((البدر)) ، والصواب إثباتها.]] قالوا: فإذ كان الله قد أخبر في كتابه بما أخبر، وحققتْ أخبارُ رسول الله ﷺ بما ذكرنا عنه من قيله ﷺ: إن تأويل قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: ٢٢-٢٣] ، أنه نظر أبصار العيون لله جل جلاله، [[انظر الأحاديث الصحاح في رؤية ربنا سبحانه يوم القيامة في صحيح البخاري (الفتح ١٣: ٣٥٦، وما بعدها) ، وصحيح مسلم ٣: ٢٥، وما بعدها. والخبران اللذان ذكرهما أبو جعفر خبران صحيحان.]] وكان كتاب الله يصدق بعضه بعضًا، وكان مع ذلك غير جائز أن يكون أحدُ هذين الخبرين ناسخًا للآخر، إذ كان غير جائز في الأخبار= لما قد بينا في كتابنا:"كتاب لطيف البيان، عن أصول الأحكام"، وغيره= [[قوله: ((علم)) جواب قوله آنفًا: ((فإذ كان الله قد أخبر في كتابه ... ))]] علم، أن معنى قوله:"لا تدركه الأبصار"، غير معنى قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، فإن أهل الجنة ينظرون بأبصارهم يوم القيامة إلى الله، ولا يدركونه بها، تصديقًا لله في كلا الخبرين، وتسليمًا لما جاء به تنزيله على ما جاء به في السورتين.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: لا تراه الأبصار، وهو يرى الأبصار.

ذكر من قال ذلك:

١٣٦٩٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"لا تدركه الأبصار"، لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق.

١٣٦٩٨- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة قالت: من حدَّثك أن رسول الله ﷺ رأى ربَّه فقد كذب! "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار"، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ، [سورة الشورى: ٥١] ، ولكن قد رأى جبريل في صورته مرتين.

١٣٦٩٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، هل رأى محمد ربه؟ فقالت: سبحان الله، لقد قَفَّ شعري مما قلت! ثم قرأت:"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير". [[الأثران: ١٣٦٩٨، ١٣٦٩٩ - حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي،