< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


و"الجن" من ذلك لأنهم استجنُّوا عن أعين بني آدم فلا يرون. وكل ما توارى عن أبصار الناس، فإن العرب تقول فيه:"قد جَنّ"، ومنه قول الهذلي: [[هو البريق الهذلي، واسمه: "عياض بن خويلد الخناعي"، وروى الأصمعي أن قائل الشعر هو"عامر بن سدوس الخناعي".]]

وَمَاءٍ وَرَدْتُ قُبَيْلَ الكَرَى ... وَقَدْ جَنَّهُ السَّدَفُ الأَدْهَمْ [[ديوان الهذليين ٣: ٥٦، وما بقي من أشعار الهذليين رقم: ٣١، واللسان (سدف) (جنن) ، من أبيات يمجد فيها نفسه، وبعد البيت: مَعِي صَاحِبٌ مِثْلُ نَصْل السِّنانِ ... عَنِيفٌ عَلَى قِرْنِهِ مِغْشَمُ

ويروى: "وما وردت علي خيفة"، ويروى"قبيل الصباح"، وكله حسن. و"السدف": الظلمة من أول الليل أو آخره، عند اختلاط الضوء. و"الأدهم": الضارب إلى السواد.]]

وقال عبيد:

وَخَرْقٍ تَصِيحُ البُومُ فِيهِ مَعَ الصَّدَى ... مَخُوفٍ إذَا مَا جَنَّهُ اللَّيْلُ مَرْهُوبِ [[ديوانه: ٣٣، ذكر نفسه في هذا البيت ثم قال بعده: قَطَعْتُ بِصَهْبَاءِ السَّرَاةِ شِمِلَّةٍ ... تَزِلُّ الوَلايَا عَنْ جَوَانِبِ مَكْرُوبِ

وختمها بالبيت الحكيم: تَرَى المَرْءَ يَصْبُو لِلحَيَاةِ وَطُولِهَا ... وَفِي طُولِ عَيْش المَرْءِ أَبْرَحُ تَعْذِيبِ

وصدق غاية الصدق! وكان في المطبوعة: "الليل مرهب"، والصواب من المخطوطة. و"الخرق" (بفتح فسكون) : الفلاة الواسعة، ورواية الديوان: "تصيح الهام"، و"الهام" ذكر البوم، ورواية أبي جعفر أجود، لأن"الصدى" هو أيضًا ذكر البوم.]]

ومنه:" أجننت الميت"، إذا واريته في اللحد، و"جننته"، وهو نظير "جنون الليل"، في معنى غطيته. ومنه قيل للترس"مِجَنّ" لأنه يُجنّ من استجنَّ به فيغطّيه ويواريه.

* *

وقوله:"رأى كوكبًا"، يقول: أبصر كوكبًا حين طلع =" قال هذا ربي"، فروي عن ابن عباس في ذلك، ما:-

١٣٤٦٢ - حدثني به المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين"، يعني به الشمس والقمر والنجوم ="فلما جنّ عليه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربي"، فعبده حتى غاب، فلما غاب قال: لا أحب الآفلين ="فلما رأى القمر بازغًا قال هذا ربي"، فعبده حتى غاب، فلما غاب قال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ="فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر" فعبدها حتى غابت، فلما غابت قال: يا قوم إنّي بريء مما تشركون.

١٣٤٦٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فلما جن عليه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحبّ الآفلين"، علم أن ربّه دائم لا يزول. فقرأ حتى بلغ:"هذا ربي هذا أكبر"، رأى خلقًا هو أكبرَ من الخلقين الأوّلين وأنور. [[في المطبوعة: "وأي خلق"، وهو فاسد المعنى، وفي المخطوطة: "وأي خلقا"، وصواب قراءتها ما أثبت.]]

وكان سبب قيل إبراهيم ذلك، ما:-

١٣٤٦٤- حدثني به محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني محمد بن إسحاق = فيما ذكر لنا، والله أعلم = أن آزر كان رجلا من أهل كوثى، من قرية بالسوادِ، سواد الكوفة، وكان إذ ذاك ملك المشرق النمرود، [[في المطبوعة: "لنمرود بن كنعان"، وليس ذلك في المخطوطة، ولا في تاريخ الطبري ١: ١١٩، بل الذي هناك: "لنمرود الخاطئ، وكان يقال له: الهاصر. وكان ملكه فيما يزعمون قد أحاط بمشارق الأرض ومغاربها، وكان ببابل. . ."، فاختصر أبو جعفر الخبر كعادته. وهو خبر قسمه أبو جعفر في تاريخه، فروى صدره هذا، ثم فصل، ثم عاد إلى حديث ابن إسحق.]] فلما أراد