< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


عليه صوم شهرين متتابعين فمرض فأفطر.

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا هشيم، عن جابر، عن أبي جعفر، قال: يستأنف.

وأولى القولين عندنا بالصواب قول من قال: يبني المفطر بعذر، ويستقبل المفطر بغير عذر، لإجماع الجميع على أن المرأة إذا حاضت في صومها الشهرين المتتابعين بعذر، فمثله، لأن إفطار الحائض بسبب حيضها بعذر كان من قِبل الله، فكلّ عذر كان من قِبل الله فمثله.

* *

وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾

يقول تعالى ذكره: فمن لم يستطع منهم الصيام فعليه إطعام ستين مسكينًا، وقد بينا وجه الإطعام في الكفارات فيما مضى قبل، فأغنى ذلك عن إعادته.

* *

وقوله: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

يقول جلّ ثناؤه: هذا الذي فرضت على من ظاهر منكم، ما فرضت في حال القدرة على الرقبة، ثم خففت عنه مع العجز بالصوم، ومع فقد الاستطاعة على الصوم بالإطعام، وإنما فعلته كي تقر الناس بتوحيد الله ورسالة الرسول محمد ﷺ، ويصدّقوا بذلك، ويعملوا به، وينتهوا عن قول الزور والكذب، ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ يقول تعالى ذكره: وهذه الحدود التي حدّها الله لكم، والفروض التي بينها لكم حدود الله فلا تتعدّوها أيها الناس، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ بها، وهم جاحدو هذه الحدود وغيرها -من فرائض الله أن تكون من عند الله-، ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يقول: عذاب مؤلم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥) ﴾

يقول تعالى ذكره: إن الذين يخالفون الله في حدوده وفرائضه، فيجعلون حدودًا غير حدوده، وذلك هو المحادّة لله ولرسوله.

وأما قتادة فإنه كان يقول في معنى ذلك ما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يقول: يعادون الله ورسوله.

وأما قوله: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فإنه يعني: غيظوا وأخزوا كما غيظ الذين من قبلهم من الأمم الذين حادوا الله ورسوله، وخزُوا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ خزوا كما خزي الذين من قبلهم.

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: معنى ﴿كُبِتُوا﴾ : أهلكوا.

وقال آخر منهم: يقول: معناه غيظوا وأخزوا يوم الخندق، ﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يريد من قاتل الأنبياء من قبلهم.

* *

وقوله: ﴿وَقَدْ أَنزلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾

يقول: وقد أنزلنا دلالات مفصلات، وعلامات محكمات تدل على حقائق حدود الله.

* *

وقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾

يقول تعالى ذكره: ولجاحدي تلك الآيات البيِّنَات التي أنزلناها على رسولنا محمد ﷺ، ومنكريها عذاب يوم القيامة، مهين: يعني مذلّ في جهنم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) ﴾

يقول تعالى ذكره: وللكافرين عذاب مهين في يوم يبعثهم الله جميعًا، وذلك ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ من قبورهم لموقف القيامة، ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ الله ﴿بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ . يقول تعالى ذكره: أحصى الله ما عملوا، فعدّه عليهم، وأثبته وحفظه، ونسيه عاملوه. ﴿والله على كل شيء شهيد﴾ يقول: ﴿وَاللَّهُ﴾ جل ثناؤه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ عملوه، وغير ذلك من أمر خلقه ﴿شَهِيدٌ﴾ يعني: شاهد يعلمه ويحيط به، فلا يعزب عنه شيء منه.

القول