< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


هذه الآية﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِي بِعَوْرَةٍ﴾ قال: ضائعة.

* *

وقوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِها﴾

يقول: ولو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ من أقطارها، يعني: من جوانبها ونواحيها، واحدها: قطر، وفيها لغة أخرى: قُتر، وأقتار، ومنه قول الراجز:

إنْ شِئْتَ أنْ تدهن أو تمرا ... فَوَلِّهِنَّ قُتْرَكَ الأشَرَّا [[البيتان من مشطور الرجز. ولم أقف على قائلهما. والشاهد فيهما في قوله: "قترك" بضم فسكون بمعنى القطر، وهو الجانب والناحية. قال أبو عبيدة: "من أقطارها" أي من جوانبها ونواحيها. وواحدها قطر، وفي "اللسان: قتر" القتر: بضم فسكون، والفتر: بضمتين: الناحية والجانب لغة: في القطر، وهي: الأقتار. اهـ. وفي (اللسان: قطر) ، وفي التنزيل العزيز: (من أقطار السماوات والأرض) : أقطارها: نواحيها: واحدها قطر، وكذلك أقتراها، واحدها قتر. اهـ.]]

* *

وقوله: ﴿ثُمَّ سُئِلوا الفِتْنَةَ﴾

يقول: ثم سئلوا الرجوع من الإيمان إلى الشرك ﴿لآتَوْها﴾ يقول: لفعلوا ورجعوا عن الإسلام وأشركوا.

* *

وقوله: ﴿وَما تَلَبَّثُوا بها إلا يَسِيرًا﴾

يقول: وما احتبسوا عن إجابتهم إلى الشرك إلا يسيرا قليلا ولأسرعوا إلى ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ أي: لو دخل عليهم من نواحي المدينة ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ : أي: الشرك ﴿لآتَوْها﴾ يقول: لأعطوها. ﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا﴾ يقول: إلا أعطوه طيبة به أنفسهم ما يحتبسونه.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ يقول: لو دخلت المدينة عليهم من نواحيها ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتوْهَا﴾ سئلوا أن يكفروا لكفروا. قال: وهؤلاء المنافقون لو دخلت عليهم الجيوش، والذين يريدون قتالهم، ثم سئلوا أن يكفروا لكفروا. قال: والفتنة: الكفر، وهي التي يقول الله: ﴿الفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ أي: الكفر. يقول: يحملهم الخوف منهم، وخبث الفتنة التي هم عليها من النفاق على أن يكفروا به.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿لآتَوْها﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة وبعض قرّاء مكة: ﴿لأتَوْها﴾ بقصر الألف، بمعنى جاءوها. وقرأه بعض المكيين وعامة قرّاء الكوفة والبصرة: ﴿لآتَوْها﴾ بمدّ الألف، بمعنى: لأعطوها، لقوله: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ . وقالوا: إذا كان سؤال كان إعطاء. والمدّ أعجب القراءتين إليّ لما ذكرت، وإن كانت الأخرى جائزة.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا (١٥) ﴾

يقول تعالى ذكره: ولقد كان هؤلاء الذين يستأذنون رسول الله ﷺ في الانصراف عنه، ويقولون: ﴿إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ ، عاهدوا الله من قبل ذلك، ألا يولوا عدوّهم الأدبار، إن لقولهم في مشهد لرسول الله ﷺ معهم، فما أوفوا بعهدهم ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا﴾ يقول: فيسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه.

وذُكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم في الخندق بعد الذي كان منهم بأحد.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا﴾. وهم بنو حارثة، وهم الذين همّوا أن يفشلوا يوم أُحد مع بني سلمة حين همّا بالفشل يوم أُحد، ثم عاهدوا الله لا يعودون لمثلها، فذكر الله لهم الذي