< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


مَسْحُورُونَ﴾ .

وأما قوله ﴿يَعْرُجُونَ﴾ فإن معناه: يرقَوْن فيه ويَصْعَدون، يقال منه: عرج يعرُج عُروجا إذا رَقَى وصَعَد، وواحدة المعارج: معرج ومعراج، ومنه قول كثير:

إلى حَسَبٍ عَوْدٍ بَنا الْمرءَ قبْلَهُ ... أبُوهُ لَهُ فِيه مَعارِجَ سُلَّمِ [[لم أجد البيت في ديوان كثير طبع الجزائر، والحسب: الشرف الثابت في الآباء، والعود: القديم، وبنا (بالألف) ، بينو لأنه من بناء الشرف والمجد، والمعارج: جمع معرج (بكسر الميم وفتحها) وهو ما يعرج فيه، أي يصعد.]]

وقد حُكي عرِج يعرج بكسر الراء في الاستقبال.

* *

وقوله ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾

يقول: لقال هؤلاء المشركون الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم: ما هذا بحقّ إنما سكِّرت أبصارنا.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿سُكِّرَتْ﴾ فقرأ أهل المدينة والعراق: ﴿سُكِّرَتْ﴾ بتشديد الكاف، بمعنى: غُشيت وغطيت، هكذا كان يقول أبو عمرو بن العلاء فيما ذُكر لي عنه. وذُكر عن مجاهد أنه كان يقرأ ﴿لَقالُوا إنَّمَا سُكِرَتْ﴾ .

⁕ حدثني بذلك الحرث، قال: ثنا القاسم، قال: سمعت الكسائي يحدّث عن حمزة، عن شبل، عن مجاهد أنه قرأها ﴿سُكِرَتْ أَبْصارُنا﴾ خفيفة، وذهب مجاهد في قراءته ذلك كذلك إلى: حُبست أبصارنا عن الرؤية والنظر من سكور الريح، وذلك سكونها وركودها، يقال منه: سكرت الريح: إذا سكنت وركدت. وقد حُكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: هو مأخوذ من سكر الشراب، وأن معناه: قد غشَّى أبصارنا السكر.

وأما أهل التأويل، فإنهم اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معنى ﴿سُكِّرَتْ﴾ : سدّت.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ قال: سدّت.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا حجاج، يعني ابن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن كثير قال: سدّت.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ يعني: سدّت، فكأن مجاهدا ذهب في قوله، وتأويله ذلك بمعنى: سدّت، إلى أنه بمعنى: منعت النظر، كما يُسكر الماء فيمنع من الجري بحبسه في مكان بالسكر الذي يسَّكر به.

وقال آخرون: معنى سكرت: أخذت.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن ابن عباس ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ يقول: أخذت أبصارنا.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، إنما أخذ أبصارنا، وشبَّه علينا، وإنما سحرنا.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ يقول: سُحرت أبصارنا، يقول: أخذت أبصارنا.

⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: ثنا شيبان، عن قتادة، قال: من قرأ ﴿سُكِّرَتْ﴾ مشددة: يعني سدّت، ومن قرأ ﴿سُكرَتْ﴾ مخففة، فإنه يعني سحرت، وكأن هؤلاء وجَّهوا معنى قوله ﴿سُكِّرَتْ﴾إلى أن أبصارهم سُحرت، فشبه عليهم ما يبصرون، فلا يميزون بين الصحيح مما يرون وغيره